السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١١١ - فتح مكة شرفها اللّه تعالى
لا يفارقه كما تقدم، و قد تقدم بعض ذكر أذيتهما له (صلى اللّه عليه و سلم)، فأعرض (صلى اللّه عليه و سلم) عنهما فكلمته أم سلمة رضي اللّه عنها فيهما: أي قالت له: لا يكون ابن عمك و ابن عمتك أي و صهرك أشقى الناس بك، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي: يعني أبا سفيان فهتك عرضي، و أما ابن عمتي و صهري يعني عبد اللّه أخا أم سلمة فهو الذي قال لي بمكة ما قال: أي قال له: و اللّه لا آمنت بك حتى تتخذ سلما إلى السماء فتعرج فيه و أنا أنظر إليك، ثم تأتي بصك و أربعة من الملائكة يشهدون لك أن اللّه أرسلك إلى آخر ما تقدم. فلما خرج الخبر إليهما، قال أبو سفيان و معه ابن له: و اللّه ليأذننّ لي أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت جوعا و عطشا، فلما بلغ ذلك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) رق لهما، ثم أذن لهما فدخلا عليه و أسلما و قبل (صلى اللّه عليه و سلم) إسلامهما.
و قيل إن عليا (كرم اللّه وجهه) قال لأبي سفيان: ائت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من قبل وجهه، فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَ إِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ [يوسف: الآية ٩١]، فإنه (صلى اللّه عليه و سلم) لا يرضى أن يكون أحد أحسن قولا منه ففعل، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): لا تَثْرِيبَ [يوسف: الآية ٩٢] عليكم اليوم يغفر اللّه لكم و هو أرحم الراحمين. و كان أبو سفيان رضي اللّه عنه بعد ذلك لا يرفع رأسه إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حياء منه لأنه عاداه (صلى اللّه عليه و سلم) نحو عشرين سنة يهجوه و لم يتخلف عن قتاله. و كان (صلى اللّه عليه و سلم) بعد ذلك يحبه و يشهد له بالجنة، و يقول: أرجو أن يكون خلفا من حمزة رضي اللّه عنهما، أي و قال له (صلى اللّه عليه و سلم) يوما: «الصيد كل الصيد في جوف الفرا» و في رواية قال له (صلى اللّه عليه و سلم): «أنت يا أبا سفيان كما قيل: كل الصيد في جوف الفرا».
و في سفره (صلى اللّه عليه و سلم) صام و صام الناس، حتى إذا كانوا بالكديد بفتح الكاف و كسر الدال المهملة الأولى: أي و هو محل بين عسفان و قديد أفطر، أي و قيل أفطر بعسفان، و قيل أفطر بقديد، و قيل أفطر بكراع الغميم. و لا منافاة لتقارب الأمكنة.
و قال بعضهم: لا مانع أن يكون (صلى اللّه عليه و سلم) كرر الفطر في تلك الأماكن لتتساوى الناس في رؤية ذلك، فأخبر كل منهم عن محل رؤيته.
قال: و في رواية أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما خرج و وصل إلى محل يقال له الصلصال قدم أمامه الزبير بن العوام رضي اللّه عنه في مائتين، و نادى منادي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): من أحب أن يصوم فليصم، و من أحب أن يفطر فليفطر.
أي و في الإمتاع: لما خرج (صلى اللّه عليه و سلم) من المدينة نادى مناديه: من أحب أن يصوم فليصم، و في بعض الأيام صب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على رأسه الماء و وجهه من شدة العطش، و في لفظ: من شدة الحر و هو صائم.
و في رواية أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما بلغ الكديد بلغه أن الناس شق عليهم الصيام، أي و أنهم