السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٨٩ - باب يذكر فيه مدة مرضه، و ما وقع فيه، و وفاته
و على كون المراد بسد الأبواب تضييقها و جعلها خوخا يشكل ما جاء: «أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بسد الأبواب كلها غير باب علي، فقال العباس: يا رسول اللّه قدر ما أدخل أنا وحدي و أخرج، قال: ما أمرت بشيء من ذلك، فسدها كلها غير باب علي» فعلى تقدير صحة ذلك يحتاج إلى الجواب عنه، و على هذا الجمع يلزم أن يكون باب علي (كرم اللّه وجهه) استمر مفتوحا في المسجد مع خوخة أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه، لما علم أنه لم يكن لعلي باب آخر من غير المسجد.
و حينئذ قد توقف في قول بعضهم في سد الخوخ إلا خوخة أبي بكر إشارة إلى استحلاف أبي بكر لأنه يحتاج إلى المسجد كثيرا دون غيره، لكن في تاريخ ابن كثير (رحمه اللّه): و هذا: أي سد جميع الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا باب عليّ لا ينافي ما ثبت في صحيح البخاري من أمره (صلى اللّه عليه و سلم) في مرض الموت بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا باب أبي بكر، لأن في حال حياته (صلى اللّه عليه و سلم) كانت فاطمة رضي اللّه تعالى عنها تحتاج إلى المرور من بيتها إلى بيت أبيها (صلى اللّه عليه و سلم) فأبقى (صلى اللّه عليه و سلم) باب عليّ (كرم اللّه وجهه) لذلك رفقا بها، و أما بعد وفاته (صلى اللّه عليه و سلم) فزالت هذه العلة فاحتيج إلى فتح باب الصديق رضي اللّه تعالى عنه لأجل خروجه إلى المسجد ليصلي بالمسلمين، لأنه الخليفة بعده عليه الصلاة و السلام هذا كلامه. و هو يفيد أن باب علي (كرم اللّه وجهه) سد مع سد الخوخ و لم يبق إلا خوخة أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه، و جعل لبيت علي (كرم اللّه وجهه) باب من الخارج.
و عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لعلي:
«يا علي لا يحل لأحد جنب مكث في المسجد غيري و غيرك».
و عن أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها: «أنها قالت: خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في مرضه حتى انتهى إلى صرحة المسجد، فنادى بأعلى صوته إنه لا يحلّ المسجد لجنب و لا لحائض إلا لمحمد و أزواجه و عليّ و فاطمة بنت محمد، ألا هل بينت لكم أن لا تضلوا» قال الحافظ ابن كثير: و هذا أي الثاني إسناده غريب و فيه ضعف هذا كلامه، و المراد المكث في المسجد لا المرور به و الاستطراق منه فإن ذلك لكل أحد.
ثم رأيت الحافظ السيوطي (رحمه اللّه) أشار إلى ذلك، و ذكر أن مثل علي (كرم اللّه وجهه) فيما ذكر ولداه الحسن و الحسين حيث قال: و كذا علي بن أبي طالب و الحسن و الحسين اختصوا بجواز المكث في المسجد مع الجنابة و اللّه أعلم، ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم): «يا معشر المهاجرين استوصوا بالأنصار خيرا إنهم كانوا عيبتي التي أويت إليهم، فأحسنوا إلى محسنهم، و تجاوزوا عن مسيئهم، ثم نزل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)».
و روي أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال في خطبته هذه: «أيها الناس من أحس من نفسه شيئا فليقم