السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٣ - غزوة الحديبية
و دخلت خزاعة في عقده (صلى اللّه عليه و سلم) و عهده، أي و في لفظ: و وثب من هناك من خزاعة. فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد و عقده، و نحن على من وراءنا من قومنا، و دخلت بنو بكر في عقد قريش و عهدهم.
و يذكر أن حويطبا قال لسهيل: بادأنا أخوالك يعني خزاعة بالعداوة، و كانوا يستترون منا فدخلوا في عهد محمد و عقده، فقال له سهيل: ما هم إلا كغيرهم، هؤلاء أقاربنا و لحمتنا قد دخلوا مع محمد، قوم اختاروا لأنفسهم أمرا فما نصنع بهم، قال حويطب: نصنع بهم أن ننصر عليهم حلفاءنا بني بكر، قال سهيل إياك أن تسمع هذا منك بنو بكر فإنهم أهل شؤم فيسبوا خزاعة، فيغضب محمد لحلفائه فينقض العهد بيننا و بينه.
و من هذا التقرير يعلم أن بيعة الرضوان كانت قبل الصلح، و أنها السبب الباعث لقريش عليه.
و وقع في المواهب ما يقتضي أن البيعة كانت بعد الصلح، و أن الكتاب الذي ذهب به عثمان كان متضمنا للصلح الذي وقع بينه (صلى اللّه عليه و سلم) و بين سهيل بن عمرو، فحبست قريش عثمان، فحبس (صلى اللّه عليه و سلم) سهيلا، و لا يخفى عليك ما فيه.
و لما فرغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من الصلح و أشهد عليه رجالا من المسلمين: أي أبا بكر و عمر و عثمان و عبد الرحمن بن عوف و سعد بن أبي وقاص و أبا عبيدة بن الجراح و محمد بن مسلمة، أي و رجالا من قريش حويطبا و مكرزا قام إلى هديه فنحره، و من جملته جمل لأبي جهل و كان نجيبا مهريا، و كان يضرب في لقاحه (صلى اللّه عليه و سلم) في رأسه برة، أي حلقة من فضة، و قيل من ذهب ليغيظ بذلك المشركين، غنمه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم بدر كما تقدم.
قال: و قد كان فر من الحديبية و دخل مكة و انتهى إلى دار أبي جهل، و خرج في أثره عمرو بن غنمة الأنصاري، فأبى سفهاء مكة أن يعطوه حتى أمرهم سهيل بن عمرو بدفعه، و دفعوا فيه عدة ثياب، فقال رسول اللّه: لو لا أنا سميناه في الهدي فعلنا انتهى.
و في لفظ قال لهم سهيل بن عمرو: إن تريدوه فاعرضوا على محمد مائة من الإبل، فإن قبلها فأمسكوا هذا الجمل و إلا فلا تتعرضوا له: أي فعرضوا عليه (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك فأبى، و قال: لو لم يكن هذا الجمل للهدي لقبلت المائة، و فرق (صلى اللّه عليه و سلم) لحم الهدي على الفقراء الذين حضروا الحديبية.
و في رواية أنه (صلى اللّه عليه و سلم) بعث إلى مكة عشرين بدنة مع ناجية حتى نحرت بالمروة و قسموا لحمها على فقراء مكة، ثم جلس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فحلق رأسه و كان الحالق