السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٩٣ - غزوة تبوك
شفعاؤكم» و لذلك قال أبو بكر رضي اللّه عنه: «ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)» فليتأمل.
و لما نزلوا تبوك وجدوا عينها قليلة الماء، فاغترف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بيده غرفة من مائها فمضمض بها فاه ثم بصقه فيها ففارت عينها حتى امتلأت.
قال: و عن حذيفة رضي اللّه عنه «بلغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن في الماء قلة أي ماء عين تبوك، أي و قد قال لهم (صلى اللّه عليه و سلم): إنكم لتأتون غدا إن شاء اللّه تعالى عين تبوك، و إنكم لن تنالوها حتى يضحا النهار فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي، و أمر (صلى اللّه عليه و سلم) مناديا ينادي بذلك فجئناها فإذا العين مثل الشراك تبض من مائها، و قد سبق إليها رجلان: أي من المنافقين و مسا من مائها فسبهما رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لما بلغه ذلك» و في رواية: «سبق إليها أربعة من المنافقين، ثم إنهم غرفوا من تلك العين قليلا قليلا حتى اجتمع شيء في شن فغسل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) وجهه و يديه و مضمض ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير» و في رواية: «فجعلوا فيها سهاما دفعها (صلى اللّه عليه و سلم) لهم، فجاشت بالماء» و إلى ذلك أشار الإمام السبكي (رحمه اللّه تعالى) في تائيته بقوله:
فيوما بوقع النبل جئت بشربهم* * * و يوما بوقع الوبل جدت بسقية
و حينئذ أي و حين إذ ثبت أنه (صلى اللّه عليه و سلم) جعل السهام في عين تبوك يسقط الاعتراض بأن وقع النبل لم يكن بتبوك و إنما كان بالحديبية على أن الذي بالحديبية إنما هو غرز سهم واحد لا سهم فليتأمل.
ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم) لمعاذ: «يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هنا ملئ جنانا» أي بساتين، و ذكر ابن عبد البر (رحمه اللّه) عن بعضهم. قال: أنا رأيت ذلك الموضع كله حوالى تلك العين جنانا خضرة نضرة.
و قبل قدومهم تبوك بليلة نام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فلم يستيقظ حتى كادت الشمس قيد رمح، أي و قد كان (صلى اللّه عليه و سلم) قال لبلال: اكلأ لنا الفجر فأسند بلال ظهره إلى راحلته فغلبته عيناه قال: أ لم أقل لك يا بلال اكلأ لنا الفجر؟ و في رواية أن بلالا رضي اللّه عنه قال لهم ناموا و أنا أوقظكم: فاضطجعوا، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): يا بلال أين ما قلت؟ قال: يا رسول اللّه ذهب بي مثل الذي ذهب بك، أي و في لفظ: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، و قال (صلى اللّه عليه و سلم) للصديق: إن الشيطان صار يهدأ بلالا للنوم كما يهدّأ الصبي حتى ينام، ثم دعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بلالا و سأله عن سبب نومه، فأخبر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بما أخبر به النبي الصديق، فقال الصديق للنبي (صلى اللّه عليه و سلم): أشهد أنك رسول اللّه، فانتقل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من منزله غير بعيد. ثم صلى و تقدم في خيبر: أي في غزوة وادي القرى، فإنها كانت عند منصرفه من خيبر، الخلاف في أي غزوة كان و سار (صلى اللّه عليه و سلم)