السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٢٠ - باب يذكر فيه ما يتعلق بالوفود التي وفدت عليه
و أنت ابن آكل المرار، يعني جدته أم كلاب، فقد تقدم أنها من كندة، و قيل إنما قال ذلك الأشعث، لأن عمه العباس بن عبد المطلب كان إذا دخل حيا من أحياء العرب، لأنه كما تقدم كان تاجرا، فإذا سئل من أين؟ قال: أنا ابن آكل المرار ليعظم، يعني انتسب إلى كندة، لأن كندة كانوا ملوكا فاعتقدت كندة أن قريشا منهم لقول العباس المذكور، فقال له (صلى اللّه عليه و سلم): لا، نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمنا و لا ننتفي من آبائنا: أي لا ننتسب إلى الأمهات و نترك النسب إلى الآباء.
و الأشعث هذا ممن ارتد بعد موت النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم دعا إلى الإسلام في خلافة أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه أي فإنه حوصر، ثم جيء به أسيرا، فقال للصديق حين أراد قتله: استبقني لحروبك و زوّجني أختك، فزوجه أخته أم فروة فدخل سوق الإبل بالمدينة و اخترط سيفه، فجعل لا يرى جملا إلا عرقبه، فصاح الناس: كفر الأشعث، فلما فرغ طرح سيفه و قال: و اللّه ما كفرت إلا أن الرجل يعني أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه زوجني أخته، و لو كنا ببلادنا لكانت لنا وليمة غير هذه و قال: يا أهل المدينة انحروا و كلوا، و أعطى أصحاب الإبل أثمانها، قال: و قال (صلى اللّه عليه و سلم) للأشعث: «هل لك من ولد؟ فقال: لي غلام ولد لي عند مخرجي إليك لوددت أن لي به لسبعة، فقال: إنهم لمجبنة مبخلة محزنة، و إنهم لقرة العين، و ثمرة الفؤاد» انتهى.
و منها وفد أزد شنوءة. وفد إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جمع من الأزد و فيهم صرد بن عبد اللّه الأزدي أي و كان أفضلهم، فأمّره (صلى اللّه عليه و سلم) على من أسلم من قومه، و أمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن، فخرج حتى نزل بجرش بضم الجيم و فتح الراء و بالشين المعجمة و هي مدينة بها قبائل من قبائل اليمن و حاصرها المسلمون قريبا من شهر ثم رجعوا عنها، حتى إذا كانوا بجبل يقال له شكر بالشين المعجمة و الكاف المفتوحتين، و قيل بإسكان الكاف، فلما وصلوا ذلك المحل ظن أهل جرش أن المسلمين رضي اللّه تعالى عنهم إنما رجعوا عنهم منهزمين، فخرجوا في طلبهم حتى إذا أدركوهم عطفوا عليهم فقتلوهم قتلا شديدا.
و قد كان أهل جرش بعثوا رجلين منهم إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالمدينة يرتدان: أي ينظران الأخبار، فبينما هما عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إذ قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): بأيّ بلاد اللّه شكر؟ فقام إليه رجلان فقالا: يا رسول اللّه ببلادنا جبل يقال له كشر، فقال إنه ليس بكشر و لكنه شكر، قالا: فما شأنه يا رسول اللّه؟ قال إن بدن اللّه لتنحر عنده الآن، و أخبرهما الخبر، فخرجا من عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) راجعين إلى قومهما فوجدا قومهما قد أصيبوا في اليوم و الساعة التي قال فيها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ما قال، و عند إخبارهما لقومهما بذلك وفد وفد جرش على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأسلموا، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):