السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٨٠ - غزوة خيبر
أيديهم، بدليل قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «ارفعوا أيديكم» و يدل له ما يأتي عن الإمتاع. و في الأصل أنها أهدتها لصفية رضي اللّه تعالى عنها، فدخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على صفية و معه بشر بن البراء بن معرور فقدمت إليهما تلك الشاة، فتناول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الكتف، و في رواية الذراع، فانتهش منه قطعة فلاكها ثم ألقاها: أي و لم يبتلعها، أي و انتهش من الشاة بشر قطعة فابتلعها، ثم نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن تناول شيء منها و قال إن كتف هذه الشاة تخبرني أني نعيت فيها، فقال بشر: و الذي أكرمك لقد وجدت ذلك فيما أكلته، فما منعني من لفظه إلا أني أعظمت أن أنغصك طعاما، فلم يقم بشر رضي اللّه تعالى عنه من مكانه حتى كان لا يتحول إلا إن حوّل، و إلى هذا أشار الإمام السبكي في تائيته بقوله (رحمه اللّه):
و أحييت عضو الشاة بعد مماتها* * * فجاء بنطق موضح للنصيحة
و قال رسول اللّه لا تك آكلي* * * فزينب سامتني الهوان و سمّت
و هذا يؤيد القول بأن كلام نحو الجماد يكون بعد أن يخلق اللّه فيه الحياة.
و مذهب الأشعري (رحمه اللّه) أن اللّه يخلق في نحو الجماد حروفا و صوتا يحدث ذلك فيه، أي و ليس من لازم ذلك وجود الحياة.
و احتجم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على كاهله، أي حجمه أبو طيبة مولى بني بياضة و قيل أبو هند و هو مولى بني بياضة أيضا، أي و أمر أصحابه فاحتجموا أوساط رءوسهم أي و هم كما في الإمتاع ثلاثة نفر، وضعوا أيديهم في الطعام و لم يصيبوا منه شيئا. و فيه أنه لا معنى لاحتجام أصحابه إذا لم يأكلوا شيئا، و من ثم قال في سفر السعادة:
و احتجم (صلى اللّه عليه و سلم) بين الكتفين في ثلاثة مواضع، و أمر من أكل أي من أراد أن يأكل معه بذلك، إلا أن يقال مجرد وضع اليد ربما سري بسببه السم إلى باقي الجسد، و قال (صلى اللّه عليه و سلم) «الحجامة في الرأس هي المعينة، أمرني بها جبريل (عليه السلام) حين أكلت طعام اليهودية».
و قد احتجم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في غير هذه الواقعة مرارا في محالّ مختلفة، فقد جاء أنه (صلى اللّه عليه و سلم) احتجم على الأخدعين مرتين، و احتجم وسط رأسه الشريف، و كان يسميها منقذة أي و ذلك لما سحر.
ففي «سفر السعادة»: لما سحره اليهودي و وصل المرض إلى الذات المقدسة النبوية أمر (صلى اللّه عليه و سلم) بالحجامة على قبة رأسه المباركة. و استعمال الحجامة في كل متضرر بالسحر غاية الحكمة و نهاية حسن المعالجة، و من لاحظ له في الدين و الإيمان يستشكل هذا العلاج هذا كلامه.
و دخل عليه (صلى اللّه عليه و سلم) الأقرع بن حابس و هو يحتجم في القمحدوة، فقال: يا بن أبي