السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٠٨ - فتح مكة شرفها اللّه تعالى
أمر عمر، و تقدم نحو هذا لما استشارهما (صلى اللّه عليه و سلم) في أسارى بدر، أي ثم قدمت المدينة من قبائل العرب: أسلم و غفار و مزينة و أشجع و جهينة.
ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم): اللهم خذ العيون و الأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها، أي و في رواية قال: اللهم خذ على أسماعهم و أبصارهم فلا يرونا إلا بغتة و لا يسمعون بنا إلا فجأة، و أخذ بالأنقاب: أي الطرق، أي أوقف بكل طريق جماعة ليعرف من يمر بها، أي و قال لهم: لا تدعوا أحدا يمرّ بكم تنكرونه إلا رددتموه.
و لما أجمع (صلى اللّه عليه و سلم) المسير إلى قريش و علم بذلك الناس كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش: أي إلى ثلاثة منهم من كبرائهم، و هم: سهيل بن عمرو، و صفوان بن أمية، و عكرمة بي أبي جهل رضي اللّه عنهم- فإنهم أسلموا بعد ذلك كما تقدم- كتابا يخبرهم بذلك ثم أعطاه امرأة و جعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، و يقال أعطاها عشرة دنانير و كساها بردا، أي و قال لها: اخفيه ما استطعت، و لا تمري على الطريق، فإن عليه حرسا فسلكت غير الطريق، قال: و تلك المرأة هي سارة مولاة لبعض بني عبد المطلب بن عبد مناف، و كانت مغنية بمكة، و كانت قدمت على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة و أسلمت، و طلبت منه الميرة، و شكت الحاجة، فقال لها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): ما كان في غنائك ما يغنيك؟ فقالت: إن قريشا منذ قتل منهم من قتل ببدر تركوا الغناء، فوصلها (صلى اللّه عليه و سلم)، و أوقر لها بعيرا طعاما، فرجعت إلى قريش و ارتدت عن الإسلام، و كان ابن خطل يلقي عليها هجاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فتغني به انتهى، فجعلت الكتاب في قرون رأسها: أي ضفائر رأسها خوفا أن يطلع عليها أحد، ثم خرجت به، و أتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث عليا و الزبير و طلحة و المقداد، أي و قيل عليا و عمارا و الزبير و طلحة و المقداد و أبا مرثد، أي و لا مانع أن يكون أرسل الكل، و بعض الرواة اقتصر على بعضهم، فقال (صلى اللّه عليه و سلم):
أدركا امرأة بمحل كذا، قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش يحذرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم، فخذوه منها و خلوا سبيلها، فإن أبت فاضربوا عنقها، فخرجا حتى أدركاها في ذلك المحل الذي ذكره (صلى اللّه عليه و سلم) فقالا لها: أين الكتاب؟ فحلفت باللّه ما معها من كتاب، فاستنزلاها و فتشاها و التمسا في رحلها فلم يجدا شيئا، فقال لها علي (كرم اللّه وجهه): إني أحلف باللّه ما كذب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قط و لا كذبنا، و لتخرجن هذا الكتاب، أو لنكشفنك، أو أضرب عنقك، فلما رأت الجد منه قالت أعرض، فأعرض فحلت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منه. و في البخاري أخرجته من عقاصها، و لا منافاة، و فيه في محل آخر أخرجته من حجزتها، و الحجزة معقد الإزار و السراويل. قال بعضهم: و لا مانع أن يكون في ضفائرها و أنها جعلت الضفائر في حجزتها فدفعته إليه، و سيأتي أنها ممن أباح (صلى اللّه عليه و سلم) دمه يوم الفتح، ثم أسلمت و عفا