السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٠٧ - فتح مكة شرفها اللّه تعالى
الخطاب فوجدته أدنى العدو. أي و في رواية: أعدى العدوّ، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم، و قد أشار عليّ بشيء صنعته، فو اللّه لا أدري أ يغني عني شيئا أم لا؟
قالوا: و بم أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس: أي قال لي لم تلتمس جوار الناس على محمد و لا تجير أنت عليه و أنت سيد قريش و أكبرها و أحقها أن لا يخفر جواره، ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال لا، أي و إنما قال: أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة، و اللّه لم يزدني، قالوا: رضيت بغير رضا، و جئت بما لا يغني عنا و لا عنك شيئا، و لعمر اللّه ما جوارك بجائز، و إن إخفارك: أي إزالة خفارتك عليهم لهيّن، و اللّه أراد الرجل: يعنون عليا (كرم اللّه وجهه) أن يلعب بك. قال: و اللّه ما وجدت غير ذلك، و أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الناس بالجهاز، و أمر أهله أن يجهزوه، أي قال لعائشة جهزينا و أخفي أمرك، فدخل أبو بكر رضي اللّه عنه على ابنته عائشة رضي اللّه عنها و هي تحرك بعض جهاز رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أي تجعل قمحا سويقا و دقيقا. و في لفظ: وجد عندها حنطة تنسف و تنقى، فقال: أي بنية أمركن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بتجهيزه؟
قالت: نعم فتجهز، قال: فأين ترينه يريد؟ قالت: لا و اللّه ما أدري، و إن ذلك قبل أن يستشير (صلى اللّه عليه و سلم) أبا بكر و عمر رضي اللّه عنهما في السير إلى مكة كما سيأتي. ثم إنه (صلى اللّه عليه و سلم) أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، و أمرهم بالجد و التجهيز.
أي و في الإمتاع أن أبا بكر رضي اللّه عنه لما سأل عائشة رضي اللّه عنها دخل عليه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: يا رسول اللّه أردت سفرا؟ قال نعم؟ قال: أ فأتجهز، قال نعم، قال: فأين تريد يا رسول اللّه؟ قال: قريشا، و أخف ذلك يا أبا بكر، و أمر (صلى اللّه عليه و سلم) الناس بالجهاز، و طوى عنهم الوجه الذي يريده، و قد قال له أبو بكر رضي اللّه عنه: يا رسول اللّه أو ليس بيننا و بينهم مدة؟ قال إنهم غدروا و نقضوا العهد، و اطو ما ذكرت لك، و في رواية أن أبا بكر رضي اللّه عنه قال: يا رسول اللّه أ تريد أن تخرج مخرجا، قال: نعم، قال: لعلك تريد بني الأصفر، قال: لا، قال: أ فتريد أهل نجد. قال:
لا، قال: فلعلك تريد قريشا، قال: نعم، قال: يا رسول اللّه أ ليس بينك و بينهم مدة، قال: أو لم يبلغك ما صنعوا ببني كعب: يعني خزاعة، قال: و أرسل (صلى اللّه عليه و سلم) إلى أهل البادية و من حوله من المسلمين في كل ناحية يقول لهم: من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فليحضر رمضان بالمدينة، أي و ذلك بعد أن تشاور رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مع أبي بكر و عمر رضي اللّه عنهما في السير إلى مكة، فذكر له أبو بكر رضي اللّه عنه ما يشير به إلى عدم السير حيث قال له: هم قومك، و حضه عمر رضي اللّه عنه حيث قال: نعم هم رأس الكفر، زعموا أنك ساحر، و أنك كذاب و ذكر له سوء كانوا يقولون، و ايم اللّه لا تذل العرب حتى تذل أهل مكة، فعند ذلك ذكر (صلى اللّه عليه و سلم) أن أبا بكر كإبراهيم، و كان في اللّه ألين من اللين، و أن عمر كنوح و كان في اللّه أشد من الحجر، و أن الأمر