السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣١ - غزوة الحديبية
تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت: الآية ٤٨] لأن هذا النفي مقيد بما قبل ورود القرآن، و بعد أن تحققت أمنيته (صلى اللّه عليه و سلم) و تقررت بذلك معجزته، لا مانع من أن يعرف الكتابة من غير معلم فتكون معجزة أخرى و لا يخرجه ذلك عن كونه أميا.
أي و يقال إن الذي كتب هذا الكتاب محمد بن مسلمة رضي اللّه عنه، وعده الحافظ ابن حجر (رحمه اللّه) من الأوهام.
و جمع بأن أصل هذا الكتاب كتبه علي (كرم اللّه وجهه)، و نسخ مثله محمد بن مسلمة رضي اللّه عنه لسهيل بن عمرو، أي فإن سهيلا قال: يكون هذا الكتاب عندي، و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): بل عندي، فأخذه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم كتب لسهيل نسخة أخذها عنده. و عند كتابته اشترط أن يردّ إليهم من جاء مسلما، قال المسلمون: سبحان اللّه كيف نردّ للمشركين من جاء مسلما؟ و عسر عليهم شرط ذلك و قالوا: يا رسول اللّه أ تكتب هذا؟ قال نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده اللّه، و من جاءنا منهم فرددناه إليهم سيجعل اللّه له فرجا و مخرجا. و في لفظ قال عمر: يا رسول اللّه أ ترضى بهذا؟ فتبسم (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: من جاءنا منهم فرددناه إليهم سيجعل اللّه له فرجا و مخرجا، و من أعرض عنا و ذهب إليهم فلسنا منه في شيء، و ليس منا بل هو أولى بهم.
فبينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) هو و سهيل بن عمرو يكتبان الكتاب بالشروط المذكورة، إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو إلى المسلمين يرسف في الحديد: أي يمشي في قيوده متوشحا سيفه، قد أفلت إلى أن جاء إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فجعل المسلمون يرحبون به و يهنئونه، فلما رأى سهيل ابنه أبا جندل، قام إليه فضرب وجهه، و في لفظ: أخذ غصنا من شجرة به شوك و ضرب به وجه أبي جندل ضربا شديدا حتى رق عليه المسلمون و بكوا و أخذ بتلبيبته، و قال: يا محمد هذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده إليّ، لقد لجت القضية بيني و بينك، أي وجبت و تمت قبل أن يأتيك هذا، قال: صدقت، فجعل ينثره بتلبيبته و يجره ليرده إلى قريش، و جعل أبو جندل رضي اللّه عنه يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنوني عن ديني؟ أ لا ترون ما لقيت، فإنه رضي اللّه عنه كان عذب عذابا شديدا على أن يرجع عن الإسلام فزاد الناس ذلك إلى ما بهم، أي فإنهم كانوا لا يشكون في دخولهم مكة و طوافهم بالبيت للرؤيا التي رآها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؛ فلما رأوا الصلح و ما تحمل عليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في نفسه داخلهم من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون، خصوصا من اشترط أن يردّ إلى المشركين من جاء مسلما منهم، أي و ردّ أبي جندل إليهم بعد ضربه، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): يا أبا جندل اصبر و احتسب، فإن اللّه جاعل لك و لمن معك من المستضعفين فرجا و مخرجا، إنا قد عقدنا بيننا