السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٥١ - باب ذكر أزواجه و سراريه
إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، فولدت له حبيبة و بها كانت تكنى، و هي ربيبة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و كانت في حجره رضي اللّه تعالى عنها، و تنصر عبيد اللّه بن جحش هناك و ثبتت هي على الإسلام رضي اللّه تعالى عنها.
و بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي (رحمه اللّه) فزوّجه (صلى اللّه عليه و سلم) إياها، و أصدقها النجاشي عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أربعمائة دينار، أي و الذي تولى عقد النكاح خالد بن سعيد بن العاص على الأصح و كلته في ذلك، و هو ابن عم أبيها.
و قيل الذي تولى عقد النكاح عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه، و قيل كان الصداق أربعة آلاف درهم، و جهزها النجاشي من عنده، و أرسلها مع شرحبيل ابن حسنة في سنة سبع. و قيل تزوّجها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالمدينة، و عليه يحمل ما في كلام العامري أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) جدد نكاح أم حبيبة رضي اللّه تعالى عنها بنت أبي سفيان رضي اللّه تعالى عنه تطبيبا لخاطره.
ثم صفية رضي اللّه تعالى عنها بنت حيي بن أخطب سيد بني النضير، قتل مع بني قريظة كما تقدم. و كانت عند سلام بن مشكم، ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق، و قتل عنها يوم خيبر، و تقدمت قصة قتله في خيبر، و لم تلد لأحد منهما، و اصطفاها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لنفسه فأعتقها و تزوجها، و جعل عتقها صداقها، لأنه لما جمع سبي خيبر جاءه دحية الكلبي رضي اللّه تعالى عنه. فقال: يا رسول اللّه أعطني جارية من السبي فقال: اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية رضي اللّه تعالى عنها. فقيل:
يا رسول اللّه إنها سيدة بني قريظة و النضير لا تصلح إلا لك، فقال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم) خذ جارية من السبي غيرها، فحجبها و جهزتها له أم سليم رضي اللّه تعالى عنها، و أهدتها له من الليل و كان عمرها لم يبلغ سبع عشرة سنة، فأولم (صلى اللّه عليه و سلم) عليها بتمر و سويق.
و في لفظ: لما أصبح (صلى اللّه عليه و سلم) قال: من كان عنده شيء فليجئ به، فبسط نطعا، فجعل الرجل يأتي بالأقط، و جعل الرجل يأتي بالتمر، و جعل الرجل يأتي بالسمن، فحاسوا حيسا، فكانت وليمة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).
و عن أنس قال: كانت صفية عاقلة فاضلة، و دخل عليها (صلى اللّه عليه و سلم) يوما و هي تبكي.
فقال لها في ذلك؟ فقالت قد بلغني أن عائشة و حفصة ينالان مني، و يقولان: نحن خير من صفية، نحن بنات عم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): قولي لهن:
كيف تكن خيرا مني، و أبي هارون، و عمي موسى عليهما الصلاة و السلام، و زوجي محمد (صلى اللّه عليه و سلم): أي فهي بنت نبي و زوج نبي، و رأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أثرا في وجهها، فسألها عن ذلك. فقالت: رأيت كأن القمر وقع في حجري، فذكرت ذلك لأبي.
و تقدم في رواية أنها ذكرت ذلك لزوجها كنانة، فضرب وجهي ضربة أثرت فيّ هذا الأثر، و قال: إنك لتمدين عنقك إلى أن تكوني عند ملك العرب.