السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٢٤ - سرية عبد اللّه بن مسلمة رضي اللّه عنه إلى كعب بن الأشرف الأوسي
يعني النبي (صلى اللّه عليه و سلم)؟ قالوا: هو الذي كنا ننتظر، ما أنكرنا من نعوته شيئا، فقال لهم قد حرمتم كثيرا من الخير، فارجعوا إلى أهليكم، فإن الحقوق في مالي كثيرة، فرجعوا عنه خائبين، ثم رجعوا إليه و قالوا له إنا أعجلناك فيما أخبرناك به، و لما استثبتنا علمنا أنا غلطنا و ليس هو المنتظر، فرضي عنهم و وصلهم، و جعل لكل من تابعهم من الأحبار شيئا من ماله، و هذا نزل فيه قوله تعالى: وَ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَ مِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً [آل عمران: الآية ٧٥] استودعه شخص دينارا فجحده كذا في تكملة الجلال السيوطي. و في الكشاف و فروعه أنها نزلت في فنحاص بن عازوراء. و قد يقال: لا مانع من تعدد الواقعة.
و لما انتصر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم بدر و قدم زيد بن حارثة و عبد اللّه بن رواحة رضي اللّه تعالى عنهما مبشرين لأهل المدينة بذلك و صارا يقولان قتل فلان و فلان و أسر فلان و فلان من أشراف قريش، صار كعب يكذب في ذلك و يقول هؤلاء أشراف العرب و ملوك الناس، و اللّه إن كان محمد قتل هؤلاء القوم فبطن الأرض خير من ظهرها، أي كما تقدم، فلما تيقن عدو اللّه الخبر خرج حتى قدم مكة و كان شاعرا فجعل يهجو رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و المسلمين، و يمدح عدوهم و يحرضهم عليه، و ينشد الأشعار و يبكي من قتل ببدر من أشراف قريش، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): اللهم اكفني ابن الأشرف بما شئت، ثم رجع إلى المدينة: أي بعد أن لم يجد من يأوي رحله بمكة، أي لأنه لما قدم مكة وضع رحله عند المطلب بن وداعة و أكرمته زوجة المطلب و هي عاتكة بنت أسيد، فدعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حسان و أخبره بذلك، فهجا المطلب و زوجته، فلما بلغهما هجاء حسان ألقت رحله، و قالت: ما لنا و لهذا اليهودي؟ و أسلم المطلب و زوجته بعد ذلك رضي اللّه عنهما، و صار كلما تحول عند قوم من أهل مكة صار حسان يهجوهم فيلقون رحله، أي يقال إنه خرج في سبعين راكبا من اليهود إلى مكة ليحالفوا قريشا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فنزلوا على أبي سفيان فقال لهم أبو سفيان إنكم أهل كتاب و محمد صاحب كتاب و لا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم، فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين و آمنوا بهما، ففعلوا، فأنزل اللّه تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطَّاغُوتِ [النّساء: الآية ٥١] أي و حالفهم عند أستار الكعبة على قتال المسلمين، فخرج من مكة للمدينة، فلما وصل إلى المدينة و صار يشبب بنساء المسلمين: أي يتغزل فيهن و يذكرهن بالسوء حتى آذاهن.
أي و قيل إن كعب بن الأشرف صنع طعاما و واطأ جماعة من اليهود أن يدعوا النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إلى الطعام، فإذا حضر يفتكون به، ثم دعاه فجاء و معه بعض أصحابه، فأعلمه جبريل (عليه السلام) بما أضمروه بعد أن جالسه، فقام (صلى اللّه عليه و سلم) و جبريل (عليه السلام) يستره بجناحه حتى خرج، فلما فقدوه تفرّقوا، و لا مانع من تعدد الأسباب، فقال