السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٩٧ - غزوة تبوك
المتقدمة التي دعا فيها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فنزل المطر.
و في كلام بعضهم أنه لما حصل للقوم العطش أرسل (صلى اللّه عليه و سلم) نفرا، و يقال عليا و الزبير يستعرضون الطريق، و أعلمهم أن عجوزا تمر بهم في محل كذا على ناقة معها سقاء ماء، فقال لهم (صلى اللّه عليه و سلم): اشتروا منها بما عزّ و هان، و ائتوا بها مع الماء، فلما بلغوا المكان إذا بالمرأة و معها السقاء. و في رواية: إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين، فسألوها في الماء، فقالت: أنا و أهلي أحوج إليه منكم، فسألوها أن تأتي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مع الماء، فأبت و قالت: من هو رسول اللّه؟ لعله الساحر. و في رواية الذي يقال له الصابئ و خير الأشياء أني لا آتيه، فشدوها وثاقا و أتوا بها إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال لهم: خلوا عنها. و في رواية: قلنا لها أين الماء؟ قالت: أهاه أهاه لا حالكم، بينكم و بين الماء مسيرة يوم و ليلة، ثم قال لها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أ تأذنين لنا في الماء، و لتصيبنّ ماءك كما جئت به؟ فقالت: شأنكم، فقال (صلى اللّه عليه و سلم) لأبي قتادة: هات الميضأة، فقرّبت إليه، فحل السقاء و تفل فيه و صب في الميضأة ماء قليلا، ثم وضع يده الشريفة فيه ثم قال: ادنوا فخذوا، فجعل الماء يفور و يزيد و الناس يأخذون حتى ما تركوا معهم إناء إلا ملئوه، و رووا إبلهم و خيلهم، و بقي في الميضأة ثلثاها.
و الميضأة هي الإداوة لأنه يتوضأ منها. و في الدلائل للبيهقي: فجعل في إناء من مزادتيها، ثم قال فيه ما شاء اللّه أن يقول. زاد في رواية: ثم مضمض، ثم رد الماء في المزادتين و أوكأ أفواههما و أطلق العزالي، ثم أمر الناس أن يملئوا آنيتهم و أسقيتهم، ثم قال لها: تعلمي و اللّه ما رزأنا من مائك شيئا، و لكن اللّه عز و جل هو الذي سقانا، و العزالي: جمع عزلاء، و العزلاء: هي التي تجعل في فم القربة لينزل فيها الماء من الراوية و هي المرادة بالمزادة، و هذا السياق يدل على أن هذه عطشة ثالثة، لأن الثانية وضع (صلى اللّه عليه و سلم) يده في الركوة التي صب فيها من الميضأة، و هذه وضع يده في الميضأة بعد أن لم يجدوا في الميضأة شيئا.
و في رواية أن تلك المرأة أخبرته أنها مؤتمة: أي لها صبيان أيتام، فقال: هاتوا ما عندكم فجمعنا لها من كسر و تمر و صرتها صرة، ثم قال لها: اذهبي فأطعمي هذا عيالك.
و في رواية أيتامك، و صارت تعجب مما رأت. و لما قدمت على أهلها قالوا لها: لقد احتبست علينا، قالت: حبسني أني رأيت عجبا من العجب، أ رأيتم مزادتيّ هاتين؟ فو اللّه لقد شرب منهما قريب من سبعين بعيرا، و أخذوا من القرب و المزاد و المطاهر ما لا أحصي، ثم هما الآن أوفر منهما يومئذ، فلبثت شهرا عند أهلها ثم أقبلت في ثلاثين راكبا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فأسلمت و أسلموا.
و في مسلم: «لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة بحيث صارت تمص