السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٩٢ - غزوة تبوك
عن ابن مسعود رضي اللّه عنه، لجواز أن يكون قدومه بعد أن كفن بكفن الأنصاري، و لا ينافي ذلك ما تقدم من قول الراوي: فلما مات فعلا: أي زوجته و غلامه ذلك:
أي غسله و تكفينه، و لا ينافي ذلك قول الغلام لابن مسعود و من معه: أعينونا على دفنه. و لا ينافي ذلك قول الراوي هنا: و دفنه: أي الفتى الأنصاري في النفر الذين معه، لأن ذلك يقال إذا اشتركوا مع غيرهم في ذلك.
و أبو ذر رضي اللّه عنه اسمه جندب، و قيل اسمه سلمة بن جنادة. و كان من أوعية العلم المبرزين في الزهد و الورع و القول بالحق. و قد قال (صلى اللّه عليه و سلم) في حقه: «ما أظلت الخضراء، و لا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر» و كان رضي اللّه عنه من الأقدمين في الإسلام. قال ابن عبد البر: كان خامس رجل أسلم فليتأمل.
و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «أبو ذر في أمتي شبيه عيسى ابن مريم في زهده» و بعضهم يرويه: «من ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم فلينظر إلى أبي ذر» و إلى وجود ما أخبر (صلى اللّه عليه و سلم) عن أبي ذر من أنه يموت وحده أشار الإمام السبكي (رحمه اللّه تعالى) في تائيته بقوله:
و عاش أبو ذر كما قلت وحده* * * و مات وحيدا في بلاد بعيدة
قال: و عن المغيرة بن شعبة رضي اللّه عنه أنه قال: لما كنا فيما بين الحجر و تبوك ذهب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لحاجته بعد الفجر و تبعته بماء فأسفر الناس بصلاتهم التي هي صلاة الفجر فقدموا عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه فصلى بهم، فانتهى (صلى اللّه عليه و سلم) بعد أن توضأ و مسح خفيه لعبد الرحمن بن عوف و قد صلى ركعة، فصلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مع عبد الرحمن ركعة و قام ليأتي بالركعة الثانية، و قال لهم (صلى اللّه عليه و سلم) بعد فراغه:
أحسنتم أو أصبتم، ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم): «لم يتوف نبي حتى يؤمه رجل صالح من أمته» ا ه.
أي و لعل هذا لا ينافي ما تقدم.
و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يستخلف على عسكره أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه يصلي بالناس، و قوله: «لم يتوف نبي حتى يؤمه رجل صالح من أمته» يقتضي أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يصل خلف الصديق في هذه الغزوة حيث يصلي بالعسكر فليتأمل.
أي و جاء أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «عبد الرحمن سيد من سادات المسلمين» و لا يخالف هذا ما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: «لم يصل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) خلف أحد من أمته إلا خلف أبي بكر» أي في مرض موته، لأن المراد صلاة كاملة أو تكرر الصلاة.
هذا و في الخصائص الصغرى: و من خصائصه (صلى اللّه عليه و سلم) فيما حكى القاضي عياض (رحمه اللّه) أنه لا يجوز لأحد أن يؤمه (صلى اللّه عليه و سلم) لأنه لا يصح التقدم بين يديه في الصلاة و لا غيرها لا لعذر و لا لغيره.
و قد نهى اللّه المؤمنين عن ذلك، و لا يكون أحد شافعا له و قد قال: «أئمتكم