السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٢١ - باب نبذة من خصائصه
رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى شبهه، فرأى شبها بينا بعتبة، ثم قال: «هو لك يا عبد الولد للفراش و احتجبي منه يا سودة بنت زمعة» زاد في رواية: «فليس بأخ لك» فقد جعله (صلى اللّه عليه و سلم) أخا لسودة عملا بظاهر الشرع، و نفى أخوته عنها بمقتضى الباطن. فقد حكم في هذه القصة بالظاهر و الباطن معا.
و أما حكمه (صلى اللّه عليه و سلم) بالباطن فقد جاء في أمور متكثرة.
من ذلك قتله الحارث بن سويد بقتله المجذر بن زياد غيلة من غير دعوى وارث و لا قيام بينة و لا قبل الدية كما تقدم.
و من ذلك أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لرجل مات أخوه: «إن أخاك محبوس بدينه فاقض عنه، فقال يا رسول اللّه قد أديت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة و ليس لها بينة، قال أعطها فإنها محقة».
و من ذلك أن امرأة جاءت إلى أخرى و قالت لها: فلانة تستعيرك حليك و هي كاذبة فأعارتها إياه، فبعد مدة جاءت للمرأة تطلب حليها فقالت: لم أطلب حليك فجاءت للمرأة التي أخذته فأنكرت أخذه، فجاءت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و أخبرته القصة فدعاها، فقالت: و الذي بعثك بالحق ما استعرت منها شيئا، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): «اذهبوا فخذوه من تحت فراشها فأخذ و أمر بها فقطعت».
و أن يقضي لنفسه و لولده، و أن يشهد لنفسه و لولده و أن يقبل الهدية ممن يريد الحكومة عنده، و أن يقضي في حال غضبه، و أن يقطع الأرض قبل أن يفتحها.
و مما شاركه فيه الأنبياء عليهم الصلاة و السلام في هذا القسم أن له (صلى اللّه عليه و سلم) أن يصلي بعد نومه غير متمكن، أي في النوم الذي تنام فيه عينه و قلبه، بناء على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان له نومان، و حينئذ يكون قوله: «نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا و لا تنام قلوبنا» و المراد به غالبا، إذ يبعد أن يكون بقية الأنبياء عليهم الصلاة و السلام ليس لهم إلا نوم واحد و له (صلى اللّه عليه و سلم) نومان.
و إباحة ترك إخراج زكاة المال، لأنه كبقية الأنبياء لا ملك لهم مع اللّه، و ما في أيديهم من المال وديعة للّه عندهم يبذلونه في محله و يمنعونه في غير محله، و لأن الزكاة طهرة و هم مبرؤون من الدنس كذا في الخصائص الصغرى نقلا عن سيدي الشيخ تاج الدين بن عطاء اللّه.
و فيها بعد ذلك أنه (صلى اللّه عليه و سلم) اختص بأن ماله باق بعد موته على ملكه ينفق منه على أهله في أحد الوجهين، و صححه إمام الحرمين، و الذي صححه النووي الوجه الآخر، و هو خروجه عن ملكه، لكنه صدقة على المسلمين، لا يختص به الورثة، و ما قاله ابن عطاء اللّه بناء مذهب إمامه سيدنا مالك، و مذهب الشافعي (رحمه اللّه)