السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٩٣ - باب يذكر فيه مدة مرضه، و ما وقع فيه، و وفاته
تكبير المأموم، ثم رأيت الترمذي (رحمه اللّه تعالى) صرح بتعدد صلاته (صلى اللّه عليه و سلم) خلف أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه حيث قال: ثبت أنه (صلى اللّه عليه و سلم) صلى خلف أبي بكر مقتديا به في مرضه الذي مات فيه ثلاث مرات، و لا ينكر هذا إلا جاهل لا علم له بالرواية هذا كلامه.
و به يردّ قول البيهقي (رحمه اللّه): و الذي دلت عليه الروايات أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) صلى خلفه في تلك الأيام التي كان يصلي بالناس فيها مرة، و صلى أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه خلفه (صلى اللّه عليه و سلم) مرة، و قال (صلى اللّه عليه و سلم) في مرضه ذلك يوما لعبد اللّه بن زمعة بن الأسود: مر الناس فليصلوا: أي صلاة الصبح. و كان أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه غائبا، فقدّم عبد اللّه عمر رضي اللّه تعالى عنه يصلي بالناس، فلما سمع رسول اللّه صوته أخرج رأسه الشريف حتى أطلعه للناس، ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم): لا، لا، لا، ثلاث مرات، ليصلّ بهم ابن أبي قحافة، فانتفضت الصفوف، و انصرف عمر رضي اللّه تعالى عنه: أي من الصلاة، فما برح القوم حتى طلع ابن أبي قحافة فتقدم و صلى بالناس الصبح. و في رواية أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما سمع صوت عمر رضي اللّه تعالى عنه قال: أ ليس هذا صوت عمر؟
فقالوا: بلى يا رسول اللّه، فقال: يأبى اللّه ذلك و المؤمنون. و في لفظ: يأبى اللّه و المسلمون إلا أبا بكر، قال ذلك ثلاثا. قال في السيرة الهشامية: فبعث (صلى اللّه عليه و سلم) إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر رضي اللّه تعالى عنه تلك الصلاة فصلى بالناس.
و قد يقال: المراد عمر تلك الصلاة نوى تلك الصلاة و دخل فيها، فلا يخالف ما تقدم من انتقاض الصفوف، و انصراف عمر رضي اللّه تعالى عنه من الصلاة. و قال عمر رضي اللّه تعالى عنه لعبد اللّه بن زمعة: ويحك ما ذا صنعت يا بن زمعة؟ و اللّه ما ظننت حين أمرتني إلا أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أمرك بهذا، فقال عبد اللّه بن زمعة رضي اللّه تعالى عنه: ما أمرني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك، و لكن حيث لم أر أبا بكر و رأيتك أحق من حضر بالصلاة، و في آخر يوم أخرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) رأسه من الستارة و الناس خلف أبي بكر، فأراد الناس أن ينحرفوا فأشار إليهم (صلى اللّه عليه و سلم) أن امكثوا، و تبسم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لما رأى من هيئة المسلمين في صلاتهم سرورا منه (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك، و ذلك يوم الاثنين يوم موته (صلى اللّه عليه و سلم) ثم ألقى الستارة.
و في السيرة الهشامية: لما كان يوم الاثنين قبض اللّه تبارك و تعالى فيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و خرج إلى الناس و هم يصلون الصبح، فرفع الستر و فتح الباب، فخرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقام على باب عائشة رضي اللّه تعالى عنها، فكاد المسلمون يقتتلون في صلاتهم برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حين رأوه فرحا به، فأشار إليهم: أن اثبتوا على صلاتكم، ثم رجع و انصرف الناس و هم يرون أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد أفاق من وجعه، فرجع أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه إلى أهله بالسنح، و فيها في رواية أنه لما كان يوم الاثنين