السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٩٦ - باب يذكر فيه مدة مرضه، و ما وقع فيه، و وفاته
رضي اللّه تعالى عنها: لا أكره شدة الموت لأحد أبدا بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و في رواية:
لا أزال أغبط المؤمن بشدة الموت بعد شدته على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و ليحصل لمن شاهده من أهله و غيرهم من المسلمين الثواب لما يلحقهم من المشقة عليه كما قيل بمثل ذلك في حكمة ما يشاهد من حال الأطفال عند الموت من الكرب الشديد.
ثم رأيت الأستاذ الأعظم الشيخ محمد البكري (رحمه اللّه) و نفعنا به سئل عن ذلك. فأجاب بأجوبة منها هذا الذي ذكرته. و منها أن مزاجه الشريف كان أعدل الأمزجة فإحساسه (صلى اللّه عليه و سلم) بالألم أكثر من غيره.
و من ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم): إني لأوعك كما يوعك رجلان منكم، و لأنّ تشبث الحياة الإنسانية ببدنه الشريف أقوى من تشبثها ببدن غيره لأنه أصل الموجودات كلها أي كما تقدم. أي و عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت: ما رأيت الوجع على أحد أشدّ منه على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و قال (صلى اللّه عليه و سلم) في مرضه: «ليس أحد أشد بلاء من الأنبياء. كان النبي من أنبياء اللّه يسلط عليه القمل حتى يقتله. و كان النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ليعرى حتى ما يجد ثوبا يوارى به عورته إلا العباءة يدرعها، و إن كانوا ليفرحون بالبلاء كما تفرحون بالرخاء».
و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «ما يبرح البلاء على العبد حتى يدعه يمشي على الأرض ليس عليه خطيئة» و قال: «ليس من عبد مسلم يصيبه أذى فما سواه إلا حط عنه خطاياه كما تحط الشجرة ورقها» و في لفظ: «لا يصيب المؤمن نكبة من شوكة فما فوقها إلا رفع اللّه له بها درجة و حط عنه بها خطيئة» و عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها: «أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) جعل يشتكي و يتقلب على فراشه. و كان يعوّذ بهذه الكلمات إذا اشتكى أحد من الناس منه «أذهب الباس رب الناس، و اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما فلما ثقل على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مرضه الذي مات فيه أخذت بيده اليمنى و جعلت أمسحه بها فأعوذه بتلك الكلمات، فانتزع (صلى اللّه عليه و سلم) يده الشريفة من يدي و قال:
اللهم اغفر لي، و اجعلني في الرفيق الأعلى مرتين».
و في رواية: «لم يشتك (صلى اللّه عليه و سلم) شكوى إلا سأل اللّه العافية» حتى كان مرضه الذي مات فيه فإنه لم يكن يدعو بالشفاء، و طفق (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: يا نفس ما لك تلوذين كل ملاذ.
أي و عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها: دخل عليّ عبد الرحمن بن أبي بكر رضي اللّه عنهما و معه سواك يستن به: أي من عسيب النخل، و كان أحب السواك إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ضريع الأراك: و هو قضيب يلتوي من الإراكة حتى يبلغ التراب فيبقى في ظلها فهو ألين من فرعها فنظر إليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فعرفت أنه يريده لأنه كان يحب السواك، فقلت، آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته فقضمته ثم مضغته.
و في رواية: فتناولته و ناولته إياه فاشتد عليه، فقلت ألينه لك؟ فأشار برأسه نعم،