السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٧٢ - غزوة الطائف
لشيء يعطاه من الدنيا، فلا يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا و ما فيها» هذا كلام ابن الجوزي، و العباس بن مرداس أسلم قبل الفتح بيسير، و كان ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، و اللّه أعلم. و لا زال (صلى اللّه عليه و سلم) يعطي الرجل ما بين مائة و خمسين من الإبل، أي و ذلك من الخمس كما سيأتي.
ثم أمر (صلى اللّه عليه و سلم) زيد بن ثابت بإحصاء الناس و الغنائم: أي ما بقي منها، و هي الأربعة الأخماس الباقية بعد إعطاء من تقدم ما تقدم من الخمس و قسمتها عليهم، أي بعد أن اجتمعوا إليه و صاروا يقولون يا رسول اللّه اقسم علينا حتى ألجؤوه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى شجرة فاختطفت رداءه، فقال ردوا ردائي أيها الناس، فو اللّه إن كان لي فيه شجر تهامة نعما لقسمته عليكم ثم ما ألفيتموني بخيلا و لا جبانا و لا كدودا، ثم قام (صلى اللّه عليه و سلم) إلى جنب بعيره فأخذ و برة من سنامه ثم رفعها، ثم قال: أيها الناس، و اللّه ما لي من فيئكم أي غنيمتكم و لا هذه الوبرة إلا الخمس و الخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط و المخيط، فإن الغلول يكون على أهله عارا و شنارا و نارا يوم القيامة، فجاء شخص من الأنصار بكبة من خيوط شعر، و قال: يا رسول اللّه أخذت هذه الكبة أعمل بها بردعة بعير لي دبر، فقال: أما نصيبي منها فلك، قال: أما إذا بلغت هذا فلا حاجة لي بها و ألقاها.
و يروى أن عقيلا كان دفع لامرأته إبرة أخذها من الغنيمة، أي فإنها قالت له:
إني قد علمت أنك قد قاتلت فما ذا أصبت من الغنيمة، فقال: دونك هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك. فسمع منادي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: من أخذ شيئا فليرده حتى الخياط و المخيط، فرجع و أخذها منها و ألقاها في الغنائم.
و في كلام السهيلي أن أبا جهم بن حذيفة العدوي كان على الأنفال يوم حنين، فجاءه خالد بن البرصاء و أخذ من الأنفال زمام شعر فمانعه أبو جهم، فلما تمانعا ضربه أبو جهم بالقوس فشجه منقلة، فاستعدى عليه خالد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال له:
خذ خمسين شاة ودعه فقال: أقدني منه، فقال: خذ مائة ودعه، فقال: أقدني منه، فقال: خذ خمسين و مائة ودعه و ليس لك إلا ذلك، و لا أقيدك من وال عليك، فقوّمت المائة و الخمسون بخمس عشرة فريضة من الإبل، فمن هنا جعلت دية المنقلة خمس عشرة فريضة، و لما قسم ما بقي خص كل رجل أربعا من الإبل و أربعين شاة، فإن كان فارسا أخذ اثنتي عشرة بعيرا و عشرين و مائة شاة، و إن كان معه أكثر من فرس لم يسهم إلا لفرس واحد و من ثم لم يعط الزبير رضي اللّه عنه إلا لفرس واحد، و كان معه أفراس، و به أخذ إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه فقال: لا يعطى إلا لفرس واحد، و قال بعض المنافقين، قيل و هو معتب هذه القسمة ما عدل فيها و لا أريد بها وجه اللّه، فأخبر بذلك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فتغير وجهه الشريف، أي