السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٤٤ - باب ذكر أزواجه و سراريه
فصار (صلى اللّه عليه و سلم) يتغدى و يتعشى وحده في تلك المشربة، فجئت المشربة، فقلت لغلام أسود:
استأذن لعمر، فدخل الغلام فكلم النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ثم رجع، فقال: كلمته و ذكرتك له فصمت، فانصرفت، ثم غلبني ما أجد، فجئت، فقلت للغلام: استأذن لعمر، فدخل ثم رجع إليّ فقال: ذكرتك له فصمت، فرجعت، ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام، ثم قلت: استأذن لعمر، فدخل ثم رجع إليّ، فقال ذكرتك له، فصمت، فلما وليت منصرفا إذا الغلام يدعوني، فقال: قد أذن لك النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فدخلت على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فإذا هو مضطجع على رمال حصير ليس بينه و بينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه، متكئا على و سادة من أدم حشوها ليف، فسلمت عليه ثم قلت له: و أنا قائم: يا رسول اللّه أطلقت نساءك؟ فرفع بصره إليّ فقال: لا، فقلت: اللّه أكبر، كنا معاشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا المدينة فإذا قوم تغلبهم نساؤهم، فتبسم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم قلت يا رسول اللّه لو رأيتني و دخلت على حفصة فقلت لها لا يغرنك إن كانت جارتك أوضأ منك و أحب إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فتبسم النبي (صلى اللّه عليه و سلم) تبسمة أخرى، فجلست حين رأيته (صلى اللّه عليه و سلم) تبسم.
و في رواية أن عمر رضي اللّه عنه لما بلغه أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) طلق حفصة حثا على رأسه التراب، و قال: ما يعبأ اللّه بعمر و ابنته بعدها فنزل جبريل على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) من الغد و قال: إن اللّه يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر.
و قد يراد بالمراجعة المصالحة و الرضا فلا ينافي ما تقدم أنه لم يطلقها و إنما أراد ذلك، و يدل له ما جاء عن عمار بن ياسر رضي اللّه عنهما أنه (صلى اللّه عليه و سلم) أراد أن يطلقها فقال له جبريل (عليه السلام): إنها صوامة قوامة، و إنها زوجتك في الجنة، و من هذا و ما يأتي يعلم أنه (صلى اللّه عليه و سلم) آلى من نسائه، و أما الظهار فلم يظاهر أبدا خلافا لمن زعمه.
أي و جاء عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في سبب اعتزاله (صلى اللّه عليه و سلم) لنسائه في المشربة أنه شجر بين النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و بين حفصة أمر، فقال لها: اجعلي بيني و بينك رجلا، قالت: نعم، قال: فأبوك إذن، فأرسلت إلى عمر فجاء، فلما دخل عليهما قال لها النبي (صلى اللّه عليه و سلم): تكلمي، فقالت: بل أنت يا رسول اللّه تكلم و لا تقل إلا حقا، فرفع عمر رضي اللّه عنه يده فوجأها في وجهها فقال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم): كف يا عمر، فقال عمر: يا عدوة اللّه، النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لا يقول إلا الحق، و الذي بعثه بالحق لو لا مجلسه ما رفعت يدي حتى تموتي، فقام النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فصعد إلى الغرفة، فمكث فيها شهرا لا يعرف شيئا من نسائه و نزلت آية التخيير. و يقال: لا مانع من اجتماع هذا السبب مع ما تقدم.
و يروى أن سبب نزول آية التخيير أن نساءه (صلى اللّه عليه و سلم) اجتمعن عليه فسألنه النفقة و لم يكن عنده شيء فآلى أن لا يجتمع بهن شهرا و صعد المشربة الحديث.
و عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما قال: جاء أبو بكر يستأذن على النبي (صلى اللّه عليه و سلم)