السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٠٦ - فتح مكة شرفها اللّه تعالى
بين الناس، فقالت: إنما أنا امرأة، قال: قد أجارت أختك يعني زينب أبا العاص بن الربيع يعني زوجها و أجاز ذلك محمد، قالت: إنما ذاك إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال:
فأمري أحد ابنيك، قالت: إنما هما صبيان ليس مثلهما يجير. قال: فكلمي عليا، فقالت: أنت تكلمه، فكلم عليا، فقال: يا أبا سفيان إنه ليس أحد من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يفتات على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بجوار، و قول فاطمة رضي اللّه عنها في حق ابنيها إنهما صبيان ليس مثلهما يجير هو الموافق لما عليه أئمتنا من أن شرط من يؤمن أن يكون مكلفا، و أما قولها و إنما أنا امرأة فلا يوافق ما عليه أئمتنا من أن للمرأة و العبد أن يؤمّنا لأن شرط المؤمن عند أئمتنا أن يكون مسلما مكلفا مختارا. و قد أمنت زينب بنت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) زوجها أبا العاص بن الربيع، و قال (صلى اللّه عليه و سلم) «قد أجرنا من أجرت» و قال: «المؤمنون يد على من سواهم، يجير عليهم أدناهم» كما سيأتي في السرايا، و قد تقدم ذلك قريبا عن أبي سفيان. و سيأتي قريبا أن أم هانئ أجارت، و أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لها: «أجرنا من أجرت يا أم هانئ» لكن سيأتي أن هذا كان تأكيدا للأمان الذي وقع منه (صلى اللّه عليه و سلم) لأهل مكة لا أمان مبتدأ.
ثم إن أبا سفيان أتى أشراف قريش و الأنصار و كل يقول جواري في جوار رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). ثم جاء إلى علي (كرم اللّه وجهه) و قال: يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد انسدت عليّ فانصحني، قال: و اللّه لا أعلم لك شيئا يغني عنك و لكنك سيد بني كنانة، فقم و أجر بين الناس ثم الحق بأرضك. قال: أو ترى ذلك مغنيا عني شيئا؟
قال: و اللّه ما أظنه و لكن لا أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد فقال:
أيها الناس إني أجرت بين الناس. زاد في رواية: و لا و اللّه ما أظن أن يخفرني أحد، و لا يردّ جواري، قال: و في رواية أنه جاء إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: يا محمد إني أجريت بين الناس، أي و قال: لا و اللّه ما أظن أحدا يخفرني و يردّ جواري، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة»؟ و في لفظ: يا أبا سفيان انتهى.
ثم ركب بعيره فانطلق حتى قدم على قريش و قد طالت غيبته و اتهمته قريش أنه صبأ و اتبع محمدا سرا و كتم إسلامه و قالت له زوجته: إن كنت مع طول الإقامة جئتهم بنجح فأنت الرجل، فلما أخبرها: أي و قد دنا منها و جلس منها مجلس الرجل من امرأته فضربت برجلها في صدره و قالت: قبحت من رسول قوم، فما جئت بخير، فلما أصبح أبو سفيان حلق رأسه عند أساف و نائلة، و ذبح عندهما البدن، و مسح رءوسهما بالدم ليدفع عنه التهمة، فلما رأته قريش قالوا: ما وراءك؟ هل جئت بكتاب من محمد أو عهد؟ قال: لا و اللّه، لقد أبى عليّ، و قد تتبعت أصحابه، فما رأيت قوما لملك أطوع منهم له. و في رواية قال: جئت محمدا فكلمته، فو اللّه ما رد عليّ شيئا، ثم جئت إلى ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرا، ثم جئت عمر بن