السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٩٢ - باب يذكر فيه مدة مرضه، و ما وقع فيه، و وفاته
و قد أشار (صلى اللّه عليه و سلم) إلى خيرية الموت بأنه فرط، فخير صفة لا أفعل تفضيل حتى يشكل بأنه يقتضي أن حياتي خير لكم من مماتي و مماتي خير لكم من حياتي كما مر، ثم لا زال أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه يصلي بالناس سبع عشرة صلاة، و صلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) مؤتما به ركعة ثانية من صلاة الصبح، ثم قضى الركعة الثانية: أي أتى بها منفردا.
و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «لم يقبض نبي حتى يؤمه رجل من قومه» أي و قد قال ذلك (صلى اللّه عليه و سلم) لما صلى خلف عبد الرحمن بن عوف كما تقدم في تبوك.
قال: و في رواية عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) وجد خفة.
أي و أبو بكر في الصلاة. فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر، فلما رآه أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه ذهب ليتأخر فأومأ إليه أن لا يتأخر، و أمرهما فأجلساه إلى جنب أبي بكر عن يساره. و في رواية عن يمينه، و أنه (صلى اللّه عليه و سلم) دفع في ظهر أبي بكر و قال: صل بالناس أي و منعه من التأخر، فجعل أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه يصلي قائما كبقية الصحابة و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يصلي قاعدا انتهى.
و هذا صريح في أنه (صلى اللّه عليه و سلم) مقتديا بأبي بكر رضي اللّه تعالى عنه. و حينئذ لا يحسن التفريع على ذلك بما جاء في لفظ: فكان أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه يصلي و هو قائم بصلاة النبي (صلى اللّه عليه و سلم). و في لفظ: يأتم بصلاة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و الناس يصلون بصلاة أبي بكر. و في لفظ: يقتدي أبو بكر بصلاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و الناس يقتدون بصلاة أبي بكر، و هذا يدل على أن الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم صلوا خلف أبي بكر و أبو بكر يصلي خلف النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و صار يسمع الصحابة التكبير، و قد بوب البخاري على ذلك: «باب من أسمع الناس تكبير الإمام»، و قال بعد ذلك «باب الرجل يأتم بالإمام و يأتم بالناس بالمأموم» فإن منعه (صلى اللّه عليه و سلم) أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه من التأخر مع صلاته على يسار أبي بكر أو على يمينه يدل على أن أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه لم يقتد بالنبي (صلى اللّه عليه و سلم) بل استمر إماما، إذ لا يجوز عندنا أن يقتدي أبو بكر بالنبي (صلى اللّه عليه و سلم) مع تقدم أبي بكر عليه (صلى اللّه عليه و سلم) في الموقف. و حينئذ يخالف ذلك قول فقهائنا إن الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم اقتدوا برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بعد اقتدائهم بأبي بكر، و جعلوه دليلا على جواز الصلاة بإمامين على التعاقب إذ لا يحسن ذلك إلا أن يكون أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه تأخر و نوى الاقتداء به (صلى اللّه عليه و سلم). إلا أن يقال يجوز أن تكون صلاته (صلى اللّه عليه و سلم) خلف أبي بكر تكررت، ففي مرة منعه (صلى اللّه عليه و سلم) من التأخر و اقتدى به، و في مرة تأخر أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه عن موقفه، و اقتدى بالنبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و اقتدى الناس بالنبي بعد اقتدائهم بأبي بكر، و صار أبو بكر يسمع الناس التكبير، و لا ينافي ذلك قول البخاري الرجل يأتم بالإمام و يأتم الناس بالمأموم، لجواز أن يكون المراد يقتدون و يتبعون