السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٠٩ - باب يذكر فيه مدة مرضه، و ما وقع فيه، و وفاته
سقيفة بني ساعدة مع أن لهم فيها حقا. و قد أشار سيدنا عمر رضي اللّه عنه إلى بيعة أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه كانت فلتة: أي بغتة لا عن استعداد لها، و لكن وقى اللّه شرها: أي لم يقع فيها مخالفة و لا منازعة، و لذلك لما اجتمعوا: أي علي و الزبير و العباس و طلحة بن عبيد اللّه و من تخلف عن المبايعة منهم بأبي بكر رضي اللّه عنه قام خطيبا و قال: و اللّه ما كنت حريصا على الإمارة يوما و لا ليلة قط، و لا كنت راغبا فيها، و لا سألتها اللّه في سر و لا علانية، و لكن أشفقت من الفتنة: أي لو أخرت إلى اجتماعكم.
و قد روي أن شخصا قال لأبي بكر رضي اللّه عنه: ما حملك على أن تلي أمر الناس و قد نهيتني أن أتأمر على اثنين، فقال: لم أجد من ذلك بدا، خشيت على أمة محمد (صلى اللّه عليه و سلم) الفرقة و قال: ما في الإمارة من راحة، لقد قلدت أمرا عظيما ما لي به من طاقة، فقال علي و الزبير رضي اللّه تعالى عنها ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة، و إنا ترى أبا بكر أحق الناس بها، إنه لصاحب الغار، إنه لنعرف شرفه و خيره، و لذا أمره رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالصلاة من بين الناس و هو حي، فلم يكن تأخرهم رضي اللّه تعالى عنهم للقدح في خلافة أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه. و من ثم قال إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه: أجمع الناس على خلافة أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه، لأنهم لم يجدوا تحت أديم السماء خيرا من أبي بكر فولوه رقابهم. أي فالأمة أجمعت على حقية إمامة بكر رضي اللّه تعالى عنه، و هذا: أي اجتماع علي (كرم اللّه وجهه) بأبي بكر رضي اللّه تعالى عنهما كان بعد ما أرسل إليه علي (كرم اللّه وجهه) في الاجتماع به و اجتمع به كما سيأتي، لكن سيأتي أن ذلك كان بعد موت فاطمة بنت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و رضي عنها، و سياق غير واحد يدل على أن اجتماع عليّ و الزبير و مبايعتهما أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه كان قبل موت فاطمة رضي اللّه تعالى عنها، و هو ما صححه ابن حبان و غيره، و يؤيده ما حكاه بعضهم أن الصديق رضي اللّه تعالى عنه خرج يوم الجمعة فقال: اجمعوا لي المهاجرين و الأنصار، فاجتمعوا، ثم أرسل إلى علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه) و النفر الذين كانوا تخلفوا معه، فقال له: ما خلفك يا علي عن أمر الناس؟ فقال: خلفني عظيم المعتبة، و رأينكم استقليتم برأيكم فاعتذر إليه أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه بخوف الفتنة لو أخر، ثم أشرف على الناس و قال: أيها الناس هذا علي بن أبي طالب لا بيعة لي في عنقه، و هو بالخيار من أمره. ألا أنتم بالخيار جميعا في بيعتكم، فإن رأيتم لها غيري فأنا أول من يبايعه، فلما سمع ذلك علي (كرم اللّه وجهه) زال ما كان قد داخله، فقال أجل لا نرى لها غيرك، امدد يدك، فبايعه هو و النفر الذين كانوا معه فإن هذا دليل على أن عليا (كرم اللّه وجهه) بايع أبا بكر بعد وفاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بثلاثة أيام.