السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٠ - غزوة ذي قرد
عنه ما تقدم لظنه أن ذلك هو جميع اللقاح التي أخذت، ثم تحقق أن الذي استنقذه هو و أبو قتادة جملة منها، و ما في البخاري من قوله «و استنقذوا اللقاح كلها» يجوز أن يكون قائل ذلك ظن أن الذي استنقذ من أيدي القوم هو جميع ما أخذوه من اللقاح، كما أن سلمة رضي اللّه عنه اعتقد أن جميع اللقاح التي أخذت هي التي جعلها خلف ظهره كما تقدم فكل من سلمة و أبي قتادة خلف نصف اللقاح التي هي العشرة التي خلصت من أيدي القوم.
و في رواية عن سلمة قال «قلت يا رسول اللّه ابعث معي فوارس لندرك القوم، فقال لي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بعد أن ضحك (صلى اللّه عليه و سلم): ملكت فأسجح» أي فارفق، و المعنى قدرت فاعف، و إنما كانوا عطاشا لأن سلمة رضي اللّه عنه ذكر أنه تبعهم إلى قبيل غروب الشمس، إلى أن عدلوا إلى شعب فيه ماء يقال له ذو قرد، فنحاهم: أي طردهم عنه و منعهم الشرب منه، و تركوا فرسين و جاء بهما سلمة رضي اللّه عنه يسوقهما إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و لعل هذا كان من سلمة رضي اللّه عنه بعد أن رجعت الصحابة عنهم و استمر يتبعهم، و قال له (صلى اللّه عليه و سلم) شخص: يا رسول اللّه القوم الآن يغبقون بأرض غطفان، أي يشربون اللبن بالعشي الذي هو الغبوق، فجاء رجل من غطفان فقال: مروا على فلان الغطفاني فنحر لهم جزورا، فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة فتركوها و خرجوا هرابا، و لما نزل (صلى اللّه عليه و سلم) بالمحل المذكور لم تزل الخيل تأتي و الرجال على أقدامهم و على الإبل حتى انتهوا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و مكث يوما و ليلة، أي و عن سلمة رضي اللّه عنه: و أتاني عمي عامر بن الأكوع بسطيحة فيها ماء و سطيحة فيها لبن فتوضأت و شربت ثم أتيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الماء الذي أجليتهم عنه، فإذا هو (صلى اللّه عليه و سلم) قد أخذ كلّ شيء استنقذته منهم، و نحر لهم بلال رضي اللّه عنه ناقته.
و لا مخالفة، لأنه يجوز أن يكون (صلى اللّه عليه و سلم) ذهب إلى الماء بعد أن كان مكثه بالجبل المذكور، و صلى (صلى اللّه عليه و سلم) بالناس صلاة الخوف، أي الخوف أن العدو يجيء إليهم، و لعل هذه هي صلاة بطن نخل، و هي على ما رواه الشيخان «أنه جعل القوم فرقتين، و صلاها مرتين كل مرة بفرقة و الأخرى تحرس» أي تكون في وجه العدو، أي في المحل الذي يظن مجيئهم منه، و ذلك كان لغير جهة القبلة، و إلا فالعدو لم يكن يمر أي منهم و هذه الصلاة لم ينزل بها القرآن.
أقول: لكن رأيت في الإمتاع «و صلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يومئذ صلاة الخوف، فقام إلى القبلة، و صفّ طائفة خلفه و طائفة مواجهة العدو، و صلى بالطائفة التي خلفه ركعة و سجد سجدتين، ثم انصرفوا فقاموا مقام أصحابهم، و أقبل الآخرون، فصلى بهم ركعة و سجد سجدتين و سلم، فكان لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ركعتان و لكل رجل من الطائفتين ركعة» و لا يخفى أن هذه الكيفية هي صلاة عسفان، و اللّه أعلم.