السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٤٤ - ذكر كتابه
و ذكر أن ابن أخي قيصر أظهر الغيظ الشديد و قال لعمه: قد ابتدأ بنفسه و سماك صاحب الروم، ألق به: يعني الكتاب، فقال له: و اللّه إنك لضعيف الرأي، أ ترى أرمي بكتاب رجل يأتيه الناموس الأكبر؟ هو أحق أن يبدأ بنفسه، و لقد صدق، أنا صاحب الروم، و اللّه مالكي و مالكه. أي و في لفظ أن أخا قيصر لما سمع الترجمان يقرأ: «من محمد رسول اللّه إلى قيصر صاحب الروم ضرب في صدر الترجمان ضربة شديدة، و نزع الكتاب من يده، و أراد أن يقطعه، فقال له قيصر: ما شأنك؟ فقال:
تنظر في كتاب رجل قد بدأ بنفسه قبلك و سماك قيصر صاحب الروم و ما ذكر لك ملكا؟ فقال له قيصر: إنك أحمق صغير أو مجنون كبير، أ تريد أن تمزق كتاب رجل قبل أن أنظر فيه؟ و لعمري إن كان رسول اللّه كما يقول لنفسه أحق أن يبدأ بها مني، و لئن سماني صاحب الروم لقد صدق، ما أنا إلا صاحبهم و ما أملكهم، و لكن اللّه سخرهم لي، و لو شاء لسلطهم عليّ كما سلط فارس على كسرى فقتلوه.
و لما جاء (صلى اللّه عليه و سلم) الخبر عن قيصر قال: «ثبت ملكه» و في لفظ: «سيكون لهم بقية، و لقد صدق اللّه و رسوله».
فقد ذكر الحافظ ابن حجر (رحمه اللّه تعالى) أن الملك المنصور قلاوون أرسل بعض أمرائه إلى ملك المغرب بهدية فأرسله ملك المغرب إلى الفرنج في شفاعة فقبله و أكرمه و قال له لأتحفنك بتحفة سنية فأخرج له صندوقا مصفحا بالذهب و أخرج منه مقلمة، و في لفظ قصبة من الذهب.
فعن السهيلي (رحمه اللّه تعالى) قال: بلغني أن هرقل وضع الكتاب في قصبة من ذهب تعظيما له، فأخرج منها كتابا قد زالت أكثر حروفه، و قد ألصق عليه خرقة حرير، فقال: هذا كتاب نبيكم لجدي قيصر، ما زلنا نتوارثه إلى الآن، و ذكر لنا آباؤنا عن آبائهم أنه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزول الملك عنا فنحن نحفظه غاية الحفظ و نعظمه، و نكتمه عن النصارى ليدوم الملك فينا، أي و لا ينافيه ما جاء: «إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده» لأن المراد إذا زال ملكه عن الشام لا يخلفه فيه أحد، و كان كذلك لم يبق إلا ببلاد الروم.
أي و يروى أن قيصر لما رجع من بيت المقدس إلى محل دار ملكه و هي حمص، أي فإنه لما ظهر على الفرس و أخرجهم من بلاده نذر أن يأتي بيت المقدس ماشيا شكرا للّه، فلما أراد الذهاب إلى بيت المقدس ماشيا بسط له البسط و طرح له عليها الرياحين، و لا زال يمشي على ذلك إلى أن وصل إلى بيت المقدس كما سيأتي، فلما رجع إلى حمص كان له فيها قصر عظيم، فأغلق أبوابه و أمر مناديا ينادي: ألا إن هرقل قد آمن بمحمد و اتبعه، فدخلت الأجناد في سلاحها و طافت تريد قتله فأرسل إليهم: إني أردت اختبار صلابتكم في دينكم، فقد رضيت فرضوا عنه.