السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٨٠ - حجة الوداع
قول عائشة المتقدم، و قد علمت ما فيه.
و قد قال بعضهم: الصحيح. من الروايات و عليه الجمهور أنه (صلى اللّه عليه و سلم) طاف يوم النحر بالنهار. و الأشبه أنه كان قبل الزوال هذا كلامه.
و طافت أم سلمة رضي اللّه عنها في ذلك اليوم على بعيرها من وراء الناس.
قالت: «و طفت و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يصلي إلى جانب البيت و هو يقرأ ب وَ الطُّورِ (١) وَ كِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) [الطور: ١- ٢]».
أي و عورض ذلك «بأنه (صلى اللّه عليه و سلم) أرسل أم سلمة رضي اللّه عنها ليلة النحر فرمت جمرة العقبة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت» فكيف يلتئم هذا مع طوافه قبل الظهر؟
لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يكن ذلك الوقت بمكة.
و يجاب بأنه يجوز أن تكون أم سلمة أخرت طوافها لذلك الوقت و إن كانت قدمت مكة قبل الفجر.
و عورض بأنه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يقرأ في ركعتي الطواف بالطور و لا جهر بالقراءة في النهار بحيث تسمعه أم سلمة من وراء الناس، هذا من المحال.
و يجاب بأن كونه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يقرأ في ركعتي الطواف بالطور شهادة نفي على من يثبت. و أم سلمة رضي اللّه عنها لم تدّع أنها سمعت قراءته (صلى اللّه عليه و سلم). ثم رأيت ابن كثير (رحمه اللّه) قال: و الظاهر أنه عليه الصلاة و السلام صلى الصبح يومئذ، أي عند قدومه مكة لطواف الوداع عند الكعبة و أصحابه، و قرأ في صلاته وَ الطُّورِ (١) بكمالها.
قال: و يؤيد ذلك ما روي عن أم سلمة قالت: «شكوت إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أني أشتكي، قال: طوفي من وراء الناس و أنت راكبة، و مضت و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يصلي حينئذ إلى جنب البيت و هو يقرأ وَ الطُّورِ (١) وَ كِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) [الطور: ١- ٢]».
أي و حينئذ يكون ما تقدم من قول الراوي: «و طافت أم سلمة في ذلك اليوم الذي هو يوم النحر» و قوله في الرواية الأخرى: «أرسل أم سلمة ليلة النحر فرمت جمرة العقبة قبل النحر ثم مضت فأفاضت» أي طافت طواف الافاضة. و ما جاء عن أم سلمة: «أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة» قال بعضهم: ذكر يوم النحر غلط من الراوي أو من الناسخ، و إنما هو يوم النفر. و يقال بمثل ذلك فيما قبله فليتأمل، فإنه سيأتي في بعض الروايات أنه طاف طواف الوداع سحرا قبل صلاة الصبح.
إلا أن يقال إنه (صلى اللّه عليه و سلم) مكث بعد الطواف لصلاة الصبح حتى صلاها و فيه أن بعضهم ذكر أنه (صلى اللّه عليه و سلم) طاف بالبيت، أي طواف الوداع بعد صلاة الصبح، و اللّه أعلم، و طافت في ذلك اليوم الذي هو يوم النحر عائشة رضي اللّه عنها بعد أن طهرت من