السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٨ - غزوة الحديبية
قلت ما قلت؟ فقال: يا رسول اللّه استغفر لي، و قال ابنه عبد اللّه: يا رسول اللّه استغفر له فاستغفر له. و في لفظ: كنا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالحديبية أربع عشرة مائة و الحديبية بئر نتبرضها» من البرض: هو الماء الذي يقطر قليلا قليلا «فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض و دعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ماشيتنا و ركابنا. و في لفظ: فرفعت إليه الدلو فغمس يده فيها فقال ما شاء اللّه أن يقول: ثم صب الدلو فيها، فلقد لقيت آخرنا أخرج بثوب خشية الغرق ثم ساحت نهرا» فليتأمل الجمع بين هذه الروايات على تقدير صحتها.
و قد يقال: لا مانع من وقوع جميع ذلك، لكن يبعد أن يكون ذلك في قليب واحد، قال بعضهم: فلما ارتحلوا أخذ البراء رضي اللّه عنه السهم فجف الماء كأن لم يكن هناك شيء.
و في كلام هذا البعض: أن أبا سفيان قال لسهيل بن عمرو رضي اللّه عنهما: قد بلغنا أنه ظهر بالحديبية قليب فيه ماء فقم بنا ننظر إلى ما فعل محمد، فأشرفنا على القليب و العين تنبع تحت السهم، فقال: ما رأينا كاليوم قط، و هذا من سحر محمد قليل.
و فيه أنا أبا سفيان رضي اللّه عنه لم يكن حاضرا في الحديبية، و حمل ذلك على أن ذلك كان من أبي سفيان بعد ارتحاله (صلى اللّه عليه و سلم) من الحديبية ينافيه ما قدمه هذا البعض أن عند ارتحالهم من الحديبية رفع السهم و جف القليب، فلما اطمأن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أتاه بديل بن ورقاء و كان سيد قومه رضي اللّه عنه فإنه أسلم بعد ذلك يوم الفتح، فكان من كبار مسلمة الفتح في رجال من خزاعة و كانت خزاعة، مسلمها و مشركها لا يخفون عليه (صلى اللّه عليه و سلم) شيئا كان بمكة، بل يخبرونه به و هو بالمدينة، و كانت قريش ربما تفطن لذلك، فسألوه ما الذي جاء به؟ فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا؛ و إنما جاء زائرا للبيت و معظما لحرمته.
و في المواهب أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لبديل ما تقدم من قوله «و إن قريشا قد نهكتهم الحرب إلى آخره» و إن بديلا رضي اللّه عنه قال له سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إنا جئناكم من عند هذا الرجل و سمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. و قال ذو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول: قال سمعته يقول كذا و كذا: فحدثهم بما قال، هذا كلامه.
و الرواية المشهورة أن بديلا و من معه من خزاعة لما رجعوا إلى قريش فقالوا:
يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد و إن محمدا لم يأت لقتال و إنما جاء زائرا