السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٣٠ - فتح مكة شرفها اللّه تعالى
اللّه هل عسيت إن نحن نصرناك و أظهرك اللّه أن ترجع إلى قومك و تدعنا؟ فتبسم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ثم قال: بل الدم الدم، و الهدم و الهدم.
و إنما أمر (صلى اللّه عليه و سلم) بقتل عبد اللّه بن أبي سرح، لأنه كان أسلم قبل الفتح، و كان يكتب لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الوحي، و كان (صلى اللّه عليه و سلم) إذا أملى عليه سميعا بصيرا كتب عليما حكيما، و إذا أملى عليه حكيما كتب غفورا رحيما، و كان يفعل مثل هذه الخيانات حتى صدر عنه أنه قال: إن محمدا لا يعلم ما يقول، فلما ظهرت خيانته لم يستطع أن يقيم بالمدينة فارتدّ و هرب إلى مكة. و قيل إنه لما كتب: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) [المؤمنون: الآية ١٢] إلى قوله: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [المؤمنون:
الآية ١٤] تعجب من تفصيل خلق الإنسان فنطق بقوله: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [المؤمنون: الآية ١٤] قبل إملائه، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): اكتب ذلك، هكذا أنزلت، فقال عبد اللّه: إن محمد نبيا يوحى إليه فأنا نبي يوحى إليّ، فارتد و لحق بمكة، فقال لقريش:
إني كنت أصرف محمدا كيف شئت كان يملي عليّ عزيز حكيم. فأقول أو عليم حكيم، فيقول نعم كل صواب، و كل ما أقوله يقول اكتب، هكذا نزلت، فلما كان يوم الفتح و علم بإهدار النبي (صلى اللّه عليه و سلم) دمه لجأ إلى عثمان بن عفان أخيه من الرضاعة، فقال له: يا أخي استأمن لي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قبل أن يضرب عنقي، فغيبه عثمان رضي اللّه عنه حتى هدأ الناس و اطمأنوا، فاستأمن له، ثم أتى به إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فأعرض عنه النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فصار عثمان رضي اللّه عنه يقول: يا رسول اللّه أمنته و النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يعرض عنه، ثم قال: نعم، فبسط يده فبايعه، فلما خرج عثمان و عبد اللّه قال (صلى اللّه عليه و سلم) لمن حوله: أعرضت عنه مرارا، ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه، و قال (صلى اللّه عليه و سلم) لعباد بن بشر و كان نذر إن رأى عبد اللّه قتله، أي و قد أخذ بقائم السيف ينتظر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يشير إليه أن يقتله، فقال له (صلى اللّه عليه و سلم): «انتظرتك أن تفي بنذرك»، قال: يا رسول اللّه خفتك، أ فلا أومضت إليّ، فقال «إنه ليس لنبي أن يومض». و في رواية: «الإيماء خيانة ليس لنبي أن يومي». و في رواية: «لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين» أي و هذا يدل على أن خائنة الأعين الإيماء بالعيون: أي أن يومي بطرفه خلاف ما يظهره بكلامه و هو اللمز هذا.
و قيل إنه أسلم و بايع و النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بمرّ الظهران، و صار يستحي من مقابلته (صلى اللّه عليه و سلم) فقال لعثمان: أ ما بايعته و أمنته؟ قال بلى، و لكن يذكر جرمه القديم فيستحي منك، قال: «الإسلام يجبّ ما قبله» و أخبره عثمان رضي اللّه عنه بذلك، و مع ذلك فصار إذا جاء جماعة للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) يجيء معهم و لا يجيء إليه منفردا.
و إنما أمر (صلى اللّه عليه و سلم) بقتل ابن خطل لأنه كان ممن أسلم: أي قدم المدينة قبل فتح مكة و أسلم، و كان اسمه عبد العزى، فسماه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عبد اللّه، و بعثه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لأخذ الصدقة، و أرسل معه رجلا من الأنصار يخدمه. و في لفظ: كان معه مولى