السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٦ - غزوة الحديبية
قاتلناه، أي و في الإمتاع: فقال المقداد رضي اللّه عنه يا رسول اللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤) [المائدة: الآية ٢٤] و لكن اذهب أنت و ربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون، و اللّه يا رسول اللّه لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك ما بقي منا رجل، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):
فامضوا على اسم اللّه فساروا؛ ثم قال: يا ويح قريش نهكتهم الحرب: أي أضعفتهم. و في لفظ: أكلتهم الحرب ما ذا عليهم لو خلوا بيني و بين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، و إن أظهرني اللّه عليهم دخلوا في الإسلام وافرين: أي كاملين، و إن لم يفعلوا قاتلوا و بهم قوة، فما تظن قريش؟ فو اللّه لا أزال أجاهد على الذين بعثني اللّه به حتى يظهره اللّه أو تنفر هذه السالفة: أي و هي صفحة العنق، فهو كناية عن القتل. ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم): هل من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ فقال رجل من أسلم: أنا يا رسول اللّه، أي و يقال إنه ناجية بن جندب رضي اللّه عنه، فسلك بهم طريقا و عرا. فلما خرجوا منه و قد شق عليهم ذلك و أفضوا إلى أرض سهلة، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) للناس: قولوا نستغفر اللّه و نتوب إليه، فقالوا ذلك، فقال: و اللّه إنها: أي قول أستغفر اللّه للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها.
ثم إن خالدا رضي اللّه عنه لم يشعر بهم إلا و قد نزلوا بذلك المحل، فانطلق نذيرا لقريش.
و قد جاء في تفسير الحطة أنها المغفرة: أي طلب المغفرة: أي اللهم حط عنا ذنوبنا، و هذا هو المناسب لقوله (صلى اللّه عليه و سلم) «قولوا نستغفر اللّه» إلى آخره.
و جاء في تفسيرها أيضا أنها لا إله إلا اللّه، فلم يقولوا حطة؛ بل قالوا حنطة حبة حمراء فيها شعيرة سوداء استهزاء و جراءة على اللّه تعالى.
و في البخاري: فقيل لبني إسرائيل وَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ [البقرة: الآية ٥٨] فبدلوا فدخلوا يزحفون على أستاههم، أي أدبارهم و قالوا حطة في شعيرة، و قد جاء «أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل، من دخله غفر له الذنوب» أي المذكورة في قوله تعالى وَ ادْخُلُوا الْبابَ [البقرة: الآية ٥٨] أي باب أريحاء بلد الجبارين سُجَّداً: أي خاضعين متواضعين وَ قُولُوا حِطَّةٌ [البقرة: الآية ٥٨] أي حط عنا خطايانا.
قال بعضهم: فكما جعل اللّه لبني إسرائيل دخولهم الباب على الوجه المذكور سببا للغفران، فكذا حب أهل البيت سبب للغفران.
ثم أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الناس أن يسلكوا طريقا تخرجهم على مهبط الحديبية من أسفل مكة فسلكوا ذلك الطريق، فلما كانوا به: أي بالثنية التي يهبط عليهم منها