السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٨١ - غزوة الطائف
بسط المصطفى لها من رداء* * * أيّ فضل حواه ذاك الرداء
فغدت فيه و هي سيدة النس* * * وة و السيدات فيه إماء
أي أعتق (صلى اللّه عليه و سلم) هوازن قبيلة أمه من الرضاعة التي هي حليمة السعدية، و كانوا ستة آلاف آدمي و إنما أعتقهم لأجل أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان له و هو طفل فيهم رباء بفتح الراء و المد:
أي تربيته فيهم، و لأجل أن أخته من الرضاعة أتت في ذلك السبي، و تلك الأخت صغّر كفرها و سباؤها قدرها الرفيع بإخوته (صلى اللّه عليه و سلم) فأعطاها برا و فعل معها معروفا حتى وقع في وهم الحاضرين بسبب ذلك أن سباءها هداء لها بكسر الهاء كالعروس التي تهدى لزوجها، و من بره (صلى اللّه عليه و سلم) لها أنه بسط لها رداءه لتجلس عليه، أي شرف لذلك الرداء شرف عظيم، لا غاية له بسبب مماسته لجسده الشريف فصارت في ذلك السبي سيدة من فيه من النساء، و صار السيدات التي فيه بالنسبة إليها إماء، و ليتأمل الجمع بين كون أخته المذكورة هي الشافعة في السبي و قبلت شفاعتها، و بين كون السائل فيهم هوازن، و الأصل اقتصر على سؤال الوفد، و ردّ جميع السبي، و لم يتخلف منه أحد إلا عجوز من عجائزهم، كانت عند عيينة بن حصن أبى أن يردها، و قال حين أخذها: أرى عجوزا إني لأحسب أن لها في الحي نسبا و عسى أن يعظم فداؤها، ثم ردها بعد ذلك بعشر من الإبل، و قيل بست أخذ ذلك من ولدها بعد أن ساومه فيها مائة من الإبل، و قال له ولدها: و اللّه ما ثديها بناهد، و لا بطنها بوالد، و لا فوها ببارد، و لا صاحبها بواجد: أي بحزين لفراقها، و لا درها بناكد بالنون: أي غزير و هو من الأضداد. و قيل قائل ذلك له زهير.
و قد يقال: لا مخالفة لجواز أن زهيرا هو ولدها، فقال عيينة: خذها لا بارك اللّه لك فيها، قال و ذلك ببركة دعائه (صلى اللّه عليه و سلم)، دعا على من أبى أن يرد من السبي شيئا أن يبخس، أي يكسد، فإن ولدها دفع له فيها مائة من الإبل فأبى، ثم غاب عنه ثم مر عليه معرضا عنه فقال: خذها بالمائة، فقال لا أدفع إلا خمسين فأبى، فغاب عنه ثم مر عليه معرضا عنه، فقال: خذها بخمسين فقال لا أدفع إلا خمسة و عشرين فأبى.
فغاب عنه ثم مر عليه معرضا عنه، فقال خذها بالخمسة و العشرين فقال: لا آخذها إلا بعشرة. و في رواية إلا بستة فقال له ما تقدم، و لما أخذها ولدها قال لعيينة: إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كسا السبي قبطية قبطية، فقال: لا و اللّه ما ذاك لها عندي، فما فارقها حتى أخذ لها منه ثوبا، و القبطية بضم القاف: و هو ثوب أبيض من ثياب مصر منسوب للقبط و هم أهل مصر و ضم القاف من التغيير في النسب.
أي و في كلام بعضهم و زعموا أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أمر رجلا أن يقدم مكة فيشتري للسبي ثياب المتعة فلا يخرج الحر منهم إلا كاسيا، قال: و أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بحبس أهل مالك بن عوف النضري بمكة عند عمتهم أم عبد اللّه بن أبي أمية،