السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٧٠ - غزوة خيبر
و في صحيح مسلم عن أنس رضي اللّه عنه «أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) وقت لقص الشارب و تقليم الأظفار أن لا يدع ذلك أربعين يوما» أي و كان (صلى اللّه عليه و سلم) يقص أظفاره كل خمسة عشر يوما كما تقدم.
و قد أستفيد من هذا كما قال بعضهم فائدة نفيسة و هي ذكر التوقيت للتنوّر و قص الأظفار. قال بعضهم: و فيه نظر، فإن بدنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان في غاية الاعتدال فلا يقاس به (صلى اللّه عليه و سلم) غيره في ذلك، نظير ما قالوه فيما صح «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان يوضئه المدّ، و يغسله الصاع» إن ذلك خاص ببدن من يكون بدنه كبدنه عليه الصلاة و السلام نعومة و اعتدالا، و إلا زيد و نقص المتفاوت فكذلك هنا، و من ثم قال الأئمة (رحمهم اللّه) في نحو حلق العانة و نتف الإبط و القلم للظفر و قص الشارب: إن ذلك لا يتقيد بمدة، بل يختلف باختلاف الأبدان و المحالّ، فيعتبر وقت الحاجة إلى إزالة ذلك.
و بهذا يردّ على من قال يكره التنور في أقل من شهر، و قدم عليه (صلى اللّه عليه و سلم) بخيبر الأشعريون، أي و منهم أبو موسى الأشعري رضي اللّه عنه، و الدوسيون و منهم أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه، فسأل (صلى اللّه عليه و سلم) أصحابه رضي اللّه عنهم أن يشركوهم في الغنيمة ففعلوا.
قال: و عن موسى بن عقبة (رحمه اللّه) أن أحد الأشعريين و من ذكر معهم: أي و هم الدوسيون من هذين الحصنين اللذين فتحا صالحا، و تكون مشاورة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في إعطائهم ليست استنزالا لهم عن شيء من حقهم، و إنما هي المشورة العامة: أي المأمور بها في قوله تعالى وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: الآية ١٥٩] انتهى.
أقول: و هذا صريح في أن ذلك كان فيئا له (صلى اللّه عليه و سلم)، فهما و ما فيهما مما أفاء اللّه عليه (صلى اللّه عليه و سلم)، لأن الفيء ما جلوا عنه من غير قتال؛ أي من غير مصافة للقتال.
و الحاصل أن أرض خيبر و نخلها غنيمة، لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) غلب على النخل و الأرض، و ألجأهم إلى الحصون، و فتح جميع الحصون عنوة إلا الوطيح، و السلالم فإنهما فتحا صالحا على حقن دماء المقاتلة و ترك الذرية لهم، بشرط أن لا يكتموه شيئا من أموالهم، و أن من كتم شيئا انقض ذلك الصلح له بالنسبة لدمه و ذراريه.
و هذان الحصنان هما المرادان بالكثيبة في قول بعضهم: كان (صلى اللّه عليه و سلم) يطعم من الكثيبة أهله لما علمت أنهما من حصونها، و أنهما و ما فيهما مما أفاء اللّه عليه.
و كونه (صلى اللّه عليه و سلم) كان يطعم أهله مما فيهما واضح. و أما إذا كان المراد يطعم من الأرض و النخيل المتعلقين بالحصنين فقد يتوقف فيه، لما تقدم أن أرض خيبر و نخلها غنيمة و ذلك شامل للأرض و النخيل المتعلقين بالحصنين فليتأمل و اللّه أعلم.
و في لفظ: و قدم عليه (صلى اللّه عليه و سلم) بعد فتح خيبر جعفر بن أبي طالب رضي اللّه عنه من