السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣١٨ - باب يذكر فيه ما يتعلق بالوفود التي وفدت عليه
ذلك لم يكن يحل لك في دينك. فقلت: أجل و اللّه و عرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل، ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم): لعلك يا عدي إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى، تقول إنما اتبعه ضعفة الناس و من لا قوة له، و قد رمتهم العرب مع حاجتهم، فو اللّه ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، و لعلك أنما يمنعك من الدخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم و قلة عددهم، أ تعرف الحيرة؟ قلت لم أرها و قد سمعت بها، قال: فو اللّه، و في لفظ: فو الذي نفسي بيده ليتمن هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة تطوف بالبيت من غير جوار أحد.
و في رواية: ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية: أي و هي قرية بينها و بين الكوفة نحو مرحلتين- على بعيرها حتى تزور البيت، أي الكعبة لا تخاف- و لعلك إنما يمنعك من الدخول فيه أنك ترى أن الملك و السلطان في غيرهم، و ايم اللّه ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم. قال عدي:
و قد رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تحج بالبيت و ايم اللّه لتكونن الثانية ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه.
و منها وفود فروة بن مسيك المرادي، وفد على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فروة مفارقا لملوك كندة، و كان بين قومه مراد و بين همدان قبيل الإسلام وقعة أصابت فيها همدان من مراد ما أرادوا في يوم يقال الردم، و قال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم. فقال: يا رسول اللّه من ذا تصيب قومه مثل ما أصاب قومي يوم الردم و لا يسوؤه. فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيرا، و استعمله (صلى اللّه عليه و سلم) على مراد و زبيد، و بعث معه خالد بن سعيد العاص على الصدقة فكان معه في بلاده حتى توفي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و قال فروة عند توجهه إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):
لما رأيت ملوك كندة أعرضت* * * كالرجل خان الرجل عرق نسائها
فركبت راحلتي أؤمّ محمدا* * * أرجو فواضلها و حسن ثوابها
و منها وفد بني زبيد بضم الزاي و فتح الموحدة. وفد بنو زبيد على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و فيهم عمرو بن معد يكرب الزبيدي، و كان فارس العرب مشهورا بالشجاعة، شاعرا مجيدا، قال لابن أخيه قيس المرادي: إنك سيد قومك و قد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقول إنه نبيّ فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيا كما يقول فإنه لن يخفى عليك، و إذا لقيناه اتبعناه، و إن كان غير ذلك علمنا علمه، فأبى عليه قيس ذلك و سفه رأيه. فركب عمرو رضي اللّه تعالى عنه حتى قدم على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مع قومه فأسلم، فلما بلغ ذلك قيسا قال: خالفني