السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢١٥ - سرية عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب رضي اللّه تعالى عنه
فلما تصافوا للقتال حجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني و كان حليفا للفريقين، فأطاعوه و انصرفوا، و لم يقع بينهم قتال. و لما عاد حمزة رضي اللّه تعالى عنه إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أخبره الخبر، أي بأن مجديا حجز بينهم و أنهم رأوا منه نصفة، قال (صلى اللّه عليه و سلم) في مجدي: إنه ميمون النقيبة: أي مبارك النفس، مبارك الأمر. و قال سعيد أو رشيد الأمر: أي أموره ناجحة، و لم يقع له إسلام. أي و في الإمتاع: و قدم رهط مجدي على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فكساهم.
سرية عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب رضي اللّه تعالى عنه
بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على رأس ثمانية أشهر من الهجرة عبيدة بن الحارث رضي اللّه تعالى عنه في ستين أو ثمانين راكبا من المهاجرين، منهم سعد بن أبي وقاص رضي اللّه تعالى عنه، و عقد له لواء أبيض، و حمله مسطح بن أثاثة رضي اللّه تعالى عنه ليعترض عيرا لقريش، و كان رئيسهم أبا سفيان. و قيل عكرمة بن أبي جهل.
و قيل مكرز بن حفص في مائتي رجل، فوافوا العير ببطن رابغ: أي و يقال له ودان، فلم يكن بينهم إلا المناوشة برمي السهام، أي فلم يسلوا السيف، و لم يصطفوا للقتال. و كان أول من رمى المسلمين سعد بن أبي وقاص رضي اللّه تعالى عنه، فكان سهمه أول سهم رمى به في الإسلام، أي كما أن سيف الزبير بن العوام رضي اللّه تعالى عنه أول سيف سل في الإسلام. ففي كلام ابن الجوزي: أول من سل سيفا في سبيل اللّه الزبير بن العوام.
و قد ذكر أن سعدا رضي اللّه تعالى عنه تقدم أصحابه و نثر كنانته، و كان فيها عشرون سهما ما منها سهم إلا و يجرح إنسانا أو دابة، أي لو رمى به لصدق رمية و شدّة ساعده رضي اللّه تعالى عنه، ثم انصرف الفريقان، فإن المشركين ظنوا أن المسلمين مددا فخافوا و انهزموا، و لم يتبعهم المسلمون، و فر من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو، أي الذي يقال له ابن الأسود، و عيينة بن غزوان، فإنهما كانا مسلمين و لكنهما خرجا مع المشركين ليتوصلا بهم إلى المسلمين، فعلم أن سرية عبيدة بن الحارث رضي اللّه تعالى عنه بعد سرية حمزة بن عبد المطلب رضي اللّه تعالى عنه و قيل بل هي قبلها، و كلام الأصل يشعر به، و يؤيده قول ابن إسحاق كانت راية عبيدة بن الحارث فيما بلغنا أول راية عقدت في الإسلام. قال بعضهم: و منشأ هذا الاختلاف أن بعث حمزة و بعث عبيدة رضي اللّه تعالى عنهما كانا معا، أي في يوم واحد في محل واحد، أي و شيعهما رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جميعا كما في ذخائر العقبى فاشتبه الأمر، فمن قائل يقول: إن راية حمزة رضي اللّه تعالى عنه أول راية عقدت في الإسلام، و أن بعثه أول البعوث، و من قائل يقول: إن راية عبيدة رضي اللّه تعالى