السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٦٧ - حجة الوداع
قال بعضهم لبعض: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا و كذا كما تقدم، فلما كانت هذه الحجة فعلوا كذلك فصارت سنة.
قال: و ثبت أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قبل الحجر الأسود و ثبت أنه استلمه بيده ثم قبلها. و ثبت أنه استلمه بمحجنه فقبل المحجن، و لم يثبت أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قبل الركن اليماني و لا قبل يده حين استلمه اه.
و عند إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه يستحب أن يقبل ما استلمه به. روى إمامنا الشافعي عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما قال: «استقبل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الحجر فاستلمه، ثم وضع شفتيه عليه طويلا، و كان (صلى اللّه عليه و سلم) إذا استلم الحجر قال: بسم اللّه و اللّه أكبر، و قال بينهما: أي بين الركن اليماني و الحجر رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ [البقرة: الآية ٢٠١] و لم يثبت عنه (صلى اللّه عليه و سلم) شيء من الأذكار في غير هذا المحل حول الكعبة، و لم يستلم الركنين المقابلين للحجر، أي لأنهما ليسا على قواعد سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام. و قال (صلى اللّه عليه و سلم) لعمر رضي اللّه تعالى عنه: «إنك رجل قويّ لا تزاحم على الحجر» أي الأسود تؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه، و إلا فاستقبله و هلل و كبر» و أخذ منه بعض فقهائنا أن من شق عليه استلام الحجر الأسود يسن له أن يهلل و يكبر.
ثم بعد الطواف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ركعتين عند مقام سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام، جعل المقام بينه و بين الكعبة: أي استقبل جهة باب المحل الذي به المقام الآن، و هو المراد بخلف المقام، قرأ فيهما مع أم القرآن قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) [الكافرون: الآية ١]: و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) [الإخلاص: الآية ١] و دخل (صلى اللّه عليه و سلم) زمزم، فنزع له دلو فشرب منه، ثم مج فيه، ثم أفرغها في زمزم، ثم قال: لو لا أن الناس يتخذونه نسكا لنزعت. أي و تقدم في فتح مكة أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لو لا أن تغلب بنو عبد المطلب لانتزعت منها دلوا، و انتزع له العباس. ثم رجع (صلى اللّه عليه و سلم) إلى الحجر الأسود فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا، و قرأ: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [البقرة: الآية ١٥٨] ابدؤوا بما بدأ اللّه به، فسعى بين الصفا و المروة سبعا راكبا على بعيره».
و عن إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه، أن سعيه الذي طاف لقدومه كان على قدميه لا على بعير، أي فذكر البعير في هذا السعي غلط من بعض الرواة.
ثم رأيت بعضهم قال: بعض الروايات عن جابر و غيره يدل على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان ماشيا بين الصفا و المروة. و لعل بين الصفا و المروة مدرجة، أو أنه (صلى اللّه عليه و سلم) سعى بين الصفا و المروة بعض المرات على قدميه، فلما ازدحم الناس عليه ركب في الباقي.
و يدل لذلك أنه قيل لابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: إن قومك يزعمون السعي بين الصفا و المروة راكبا سنة، فقال: صدقوا و كذبوا، فقيل: كيف صدقوا و كذبوا؟