السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٦٨ - حجة الوداع
فقال: صدقوا في أن أن السعي سنة، و كذبوا في أن الركوب سنة، فإن السنة المشي، فإن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مشى في السعي، فلما كثر عليه الناس يقولون هذا محمد هذا محمد حتى خرج العواتق من البيوت، و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه الناس ركب، و بهذا يحصل الجمع بين الأحاديث الدالة على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) مشى بين الصفا و المروة، و الأحاديث الدالة على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) ركب فيه و صار (صلى اللّه عليه و سلم) في السعي يخب ثلاثا و يمشي أربعا، و يرقى الصفا، و يستقبل الكعبة، و يوحد اللّه و يكبره و يقول: لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر، لا إله إلا اللّه وحده، أنجز وعده، و نصر عبده، و هزم الأحزاب وحده، أي من غير قتال «ثم يفعل على المروة مثل ذلك».
و اعترض بأن كونه كان يخب ثلاثا و يمشي أربعا كان في الطوف بالبيت لا في السعي بين الصفا و المروة، و هذا السياق يقتضي أنه (صلى اللّه عليه و سلم) سعى بعد طواف القدوم.
و قد جاء أنه (صلى اللّه عليه و سلم) حج، فأول شيء بدأ به حين قدم مكة «أنه توضأ ثلاثا ثم طاف بالبيت و لم يذكر السعي» أي و في مسلم في سبب نزول قوله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [البقرة: الآية ١٥٨] أن المهاجرين في الجاهلية كانوا يهلون بصنمين على شط البحر يقال لهما إساف و نائلة، ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا و المروة، ثم يحلقون، فلما جاءهم الإسلام كرهوا أن يطوفوا بين الصفا و المروة، يرون أن ذلك من أمر الجاهلية، فأنزل اللّه تعالى: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [البقرة: الآية ١٥٨].
و قيل إن سبب نزولها «أن الأنصار كانوا في الجاهلية يهلون لمناة، و كان من أحرم بمناة لا يطوف بين الصفا و المروة، و أنهم سألوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن ذلك حين أسلموا، فأنزل اللّه تعالى: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [البقرة: الآية ١٥٨] الآية، ثم أمر (صلى اللّه عليه و سلم) من لا هدي معه بالإحلال، أي و إن لم يكن أحرم بالعمرة بأن لم يكن سمع أمره (صلى اللّه عليه و سلم) بأن من لا هدي معه يحرم بالعمرة، فأحرم بالحج قارنا أو مفردا، قال السهيلي (رحمه اللّه): و لم يكن ساق الهدي معه من أصحابه رضي اللّه تعالى عنهم إلا طلحة بن عبد اللّه، و كذا علي (كرم اللّه وجهه) جاء من اليمن و قد ساق الهدي معه، و يأتي ما فيه. أي و أمره (صلى اللّه عليه و سلم) من ذكر بالإحلال كان بعد الحلق و التقصير، لأنه أتى بعمل العمرة فحل له كل ما حرم على المحرم من وطء النساء و الطيب و المخيط، و أن يبقى كذلك إلى يوم التروية الذي هو اليوم الثامن من ذي الحجة فيهل: أي يحرم بالحج.
و قيل له يوم التروية لأنهم كانوا يتروون فيه الماء و يحملونه معهم في ذهابهم من مكة إلى عرفات لعدم وجدان الماء بها ذلك الزمن. و أمر (صلى اللّه عليه و سلم) من معه الهدي أن يبقى على إحرامه أي بالحج قارنا أو مفردا، حتى قال بعضهم: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي. قال: و يروى أن قائل ذلك هو (صلى اللّه عليه و سلم)، فعن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنهما أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما تم سعيه قال: «لو أني استقبلت من أمري ما