السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٠٤ - باب ذكر نبذ من معجزاته
ثم إن عليا (كرم اللّه وجهه) صلى على القتلى من الفريقين، ثم دخل البصرة على بغلته متوجها لعائشة رضي اللّه عنها، فلما دخل عليها سلم عليها و قعد عندها ثم جهزها بكل شيء ينبغي لها، و اختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، و أمرهن بلبس العمائم و تقليد السيوف، ثم قال لهن: لا تعلمنها بأنكن نسوة و تلثمن مثل الرجال و كن حولها من بعيد و لا تقربنها، و قال لأخيها محمد:
تجهز معها. و في رواية جهز معها أخاها عبد الرحمن في جماعة من شيوخ الصحابة.
فلما كان يوم خروجها جاء إليها علي (كرم اللّه وجهه) و وقف الناس و خرجت فودعها و ودعتهم، و قالت: يا بني و اللّه ما كان بيني و بين علي في القدم إلا ما يكون بين المرأة و أحمائها، و إنه على معتبتي عليه عندي لمن الأخيار، فقال علي: أيها الناس صدقت و اللّه و برت، ما كان بيني و بينها إلا ذلك، و إنها زوجة نبيكم في الدنيا و الآخرة، و ذهب معها نحو سبعة أميال: ثم ذهبت إلى مكة حتى حجت، ثم رجعت إلى المدينة و علمت عند وصولها إلى مكة أن هؤلاء الرجال حولها نساء فإنهن كشفن عن وجوههن و عرفنها الحال فشكرت و قالت: و اللّه لا يزداد ابن أبي طالب إلا كرما.
و قيل إن كعب بن سعد أتى عائشة رضي اللّه تعالى عنها و قال: لعل اللّه أن يصلح بك، و الأولى الصلح و السكون و النظر في قتلة عثمان بعد ذلك، فوافقت و ركبت هودجها و قد ألبسوه الأدراع ثم بعثوا جملها و ذهب إلى علي (كرم اللّه وجهه) و قال له مثل ذلك، فقال له: قد أحسنت، و أشرف القوم على الصلح، فخافت قتلة عثمان رضي اللّه عنه فأشار عليهم ابن السوداء الذي هو السبائي الذي هو أصل الفتنة أن يفترقوا فرقتين تكون كل فرقة في عسكر من العسكرين، فإذا جاء وقت السحر ضربت كل فرقة منهما إلى العسكر الذي فيه الفرقة الأخرى فنادت كل فرقة في العسكر الذي هي فيه غررنا، ففعلوا ذلك، فنشبت الحرب و حصل ما تقدم.
و من ذلك قوله (صلى اللّه عليه و سلم) في الحسن رضي اللّه عنه: «إن ابني هذا سيد، و لعل اللّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» فصالح معاوية رضي اللّه عنهما، و حقن دماء الفئتين من المسلمين. أي فإن الحسن رضي اللّه عنه لما بويع له بالخلافة يوم مات أبوه كان في الخلافة سبعة أشهر، و قيل ستة أشهر. و لما سار إلى قتال معاوية كان معه أكثر من أربعين ألفا، فلما سار عدا عليه شخص و ضربه بخنجر في فخذه ليقتله، فقال الحسن: قتلتم أبي بالأمس، و وثبتم عليّ اليوم، تريدون قتلي، زهدا في العادلين، و رغبة في القاسطين، لتعلمن نبأه بعد حين.
أي و يذكر أنه بينما هو يصلي إذ وثب عليه شخص فطعنه بخنجر و هو ساجد، ثم خطب الناس، فقال: يا أهل العراق اتقوا اللّه فينا فإنا أمراؤكم و نحن أهل البيت الذين قال اللّه فيهم: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ