السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٠٥ - باب ذكر نبذ من معجزاته
تَطْهِيراً [الأحزاب: الآية ٣٣] فما زال يقولها حتى ما بقي أحد من أهل المسجد إلا و هو يبكي.
ثم كتب إلى معاوية رضي اللّه عنهما بتسليم الأمر: أي بعد أن أرسل إليه معاوية رضي اللّه عنه رجلين يكلمانه في الإصلاح، فإن عمرو بن العاص لما رأى الكتائب مع الحسن أمثال الجبال، قال لمعاوية: إني لأرى هذه الكتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها، فخلع الحسن رضي اللّه عنه نفسه و سلم الأمر إلى معاوية، تورعا و زهدا، و قطعا للشر، و إطفاء لثائرة الفتنة، و تصديقا لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في قوله المتقدم، و غض منه شيعته حتى قال له بعضهم: يا عار المؤمنين سوّدت وجوه المؤمنين، فقال: العار خير من النار. و قال له بعضهم: السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال له: لا تقل ذلك كرهت أن أقتلكم في طلب الملك، و عند ذلك: أي لما انبرم الصلح طلب منه معاوية رضي اللّه عنهما أن يتكلم بجمع من الناس و يعلمهم أنه سلم الأمر إلى معاوية، فأجابه إلى ذلك و صعد المنبر و حمد اللّه إلى أن قال في خطبته:
أيها الناس إن اللّه هداكم بأولنا و حقن دماءكم بآخرنا، إلا أن أكيس الكيس التقى، و أعجز العجز الفجور، و إن هذا الأمر الذي اختلفت أنا و معاوية فيه إما أن يكون أحق به مني أو يكون حقي، فإن كان حقي فقد تركته للّه و لصلاح أمة محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و حقن دمائهم، ثم التفت رضي اللّه عنه إلى معاوية و قال وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١) [الأنبياء: الآية ١١١]، أي ثم انتقل من الكوفة إلى المدينة و أقام بها، و كان من جملة ما اشترطه على معاوية رضي اللّه عنه أن يكون الأمر شورى بين المسلمين بعده، و لا يعهد إلى أحد من بعده عهدا.
و قيل على أن يكون الأمر للحسن بعده فلما سم الحسن اتهم بذلك زوجته بنت الأشعث بن قيس، و أن ذلك بدسيسة من يزيد ولد معاوية، و وعدها أن يتزوجها، و بذل لها مائة ألف درهم حرصا على أن يكون الأمر له، فإن معاوية عرّض بذلك في حياة الحسن و لم يكشفه إلا بعد موته.
و لما جاء الخبر لمعاوية بموته رضي اللّه عنه قال: يا عجبا من الحسن بن علي شرب شربة مع عسل بماء رومة، يعني بئر رومة فقضى نحبه. و أتى ابن عباس رضي اللّه عنهما معاوية و هو لا يعلم الخبر، فقال له معاوية: هل عندك خبر المدينة؟ قال لا، فقال معاوية: يا بن عباس احتسب الحسن، لا يحزنك اللّه و لا يسوؤك، فأظهر عدم التشوش و قال: أما ما أبقاك اللّه لي يا أمير المؤمنين فلا يحزنني اللّه و لا يسوؤني، فأعطاه على تلك الكلمة ألف ألف.
و ذكر بعضهم قال: كنا عند الحسن رضي اللّه عنه و معنا الحسين رضي اللّه عنه، فقال الحسن: لقد سقيت السم مرارا و ما سقيته مثل هذه المرة، و لقد لفظت