السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٥ - غزوة الحديبية
و في لفظ قال خالد بن الوليد رضي اللّه عنه: قد كانوا على غرة لو حملنا عليهم أصبنا منهم، و لكن تأتي الساعة صلاة أخرى هي أحب إليهم من أنفسهم و أبنائهم: أي التي هي صلاة العصر، و بهذا استدل على أنها الصلاة الوسطى، و استدل له أيضا بأنه كان في أول ما أنزل حافظوا على الصلوات و صلاة العصر ثم نسخ ذلك أي تلاوته بقوله تعالى وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى [البقرة: الآية ٢٣٨] فنزل جبريل (عليه السلام) بين الظهر و العصر لقوله تعالى وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ [النّساء: الآية ١٠٢] الآيات، و هذا يدل على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) صلى بهم جميعا حتى عباد بن بشر و أصحابه جميعا الذين قاموا بازاء خالد رضي اللّه عنهم، و حانت صلاة العصر فصلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بأصحابه صلاة الخوف: أي على ما ذكره اللّه تعالى، فلما جعل المسلمون يسجد بعضهم و بعضهم قائم ينظر إليهم، قال المشركون: لقد أخبروا بما أردناه بهم، و لعل الصلاة هي صلاة عسفان، لأن كراع الغميم بالقرب منه كما تقدّم، و هي على ما رواه مسلم «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) صفهم صفين و أنه أحرم بهم و ركع و اعتدل بهم جميعا ثم لما سجد سجد معه الصف الأول سجدتيه و تخلف الصف الثاني في اعتداله للحراسة، فلما قام و قام معه من سجد سجد الصف الثاني و لحقه في القيام و تقدم الصف الثاني و تأخر الصف الأول ثم ركع و اعتدل بهم جميعا ثم سجد و سجد معه الصف الثاني الذي تقدم، و استمر الصف الأول الذي تأخر على الحراسة في اعتداله، فلما جلس للتشهد أتموا بقية صلاتهم و جلسوا معه للتشهد، فتشهد و سلم بهم جميعا» و على هذه الصلاة حمل أئمتنا ما جاء:
«فرضت الصلاة في الخوف ركعة» أي أنها ركعة مع الإمام و يضم إليها أخرى.
ثم رأيت في الدر المنثور التصريح بأن هذه الصلاة هي صلاة عسفان. عن ابن عياش الزرقي قال «كنا مع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بعسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد رضي اللّه عنه و هم بيننا و بين القبلة، فصلى بنا النبي (صلى اللّه عليه و سلم) الظهر، فقالوا: قد كانوا على حالة غرة» الحديث المتقدّم.
و اشترط أئمتنا في هذه الصلاة، و هي إذا كان العدو في جهة القبلة و لا ساتر أن يكون كل صف مقاوما للعدو و أن كل واحد لاثنين و إلا لم تصح الصلاة لما فيه من التغرير بالمسلمين و لعل صلاته (صلى اللّه عليه و سلم) بالصفين كانت كذلك، و هذه الصلاة لم ينزل بها القرآن كصلاة بطن نخل، فعلم أن القرآن لم ينزل إلا بصلاة ذات الرقاع و بصلاة شدة الخوف، و لم أقف على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) صلى صلاة شدة الخوف و هي أن يلتحم القتال أو لم يأمنوا هجوم العدو.
و لما سمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بأن قريشا تريد منعه عن البيت قال: أشيروا عليّ أيها الناس، أ تريدون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه؟ فقال أبو بكر: يا رسول اللّه خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد و لا حربا، فتوجه له فمن صدنا عنه