السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٥٥ - سرية عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه إلى دومة الجندل
ثم رأيت الأصل تبع في ذلك شيخه الحافظ الدمياطي حيث قال سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى في رجب: قالوا: بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) زيدا رضي اللّه تعالى عنه أميرا. ثم قال: سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة بناحية وادي القرى في رمضان.
و فيه ما علمت.
ثم لا يخفى أن في هذا إطلاق السرية على الطائفة التي خرجت للتجارة و لا يختص ذلك بمن خرج للقتال أو لتجسس الأخبار، و قد تقدم.
سرية عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه إلى دومة الجندل
بضم الدال المهملة و بفتحها، و أنكره ابن دريد لبني كلب.
بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه تعالى عنه، فأقعده بين يديه و عممه بيده، قال أي بعد أن قال له: تجهز فإني باعثك في سرية من يومك هذا أو من الغد إن شاء اللّه تعالى. ثم أمره أن يسري من الليل إلى دومة الجندل في سبعمائة و عسكروا خارج المدينة.
فلما كان وقت السحر جاء عبد الرحمن بن عوف إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال:
أحببت يا رسول اللّه أن يكون آخر عهدي بك، و كان عليه عمامة من كرابيس: أي غليظة قد لفها على رأسه، فنقضها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بيده ثم عممه بعمامة سوداء و أرخى بين كتفيه منها أربع أصابع أو نحوا من ذلك. ثم قال: هكذا يا بن عوف فاعتم فإنه أحسن و أعرف.
ثم أمر (صلى اللّه عليه و سلم) بلالا أن يدفع إليه اللواء فدفعه إليه، و قام (صلى اللّه عليه و سلم) فحمد اللّه، ثم صلى على نفسه، ثم قال: خذه يا بن عوف انتهى، و قال: اغز بسم اللّه و في سبيل اللّه، فقاتل من كفر باللّه، و لا تغلّ، أي لا تخن في المغنم و لا تغدر، أي لا تترك الوفاء، و لا تقتل وليدا و في رواية: لا تغلوا، و لا تغدروا، و لا تنكثوا، و لا تملوا، و لا تقتلوا وليدا: أي صبيا: فهذا عهد اللّه و سنة نبيكم (صلى اللّه عليه و سلم) فيكم ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم) له: إذا استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم، فسار عبد الرحمن بن عوف حتى قدم دومة الجندل، فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام و هم يأبون و يقولون: لا نعطي إلا السيف. و في اليوم الثالث أسلم رأسهم و ملكهم الأصبغ بن عمرو الكلبي و كان نصرانيا: قال في النور:
لم أجد أحدا ترجمه، و الظاهر أنه ما وفد على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فهو تابعي، و أسلم معه ناس كثير من قومه، و أقر من أقام على كفره بإعطاء الجزية: أي و أرسل رضي اللّه عنه إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يعلمه بذلك و أنه يريد أن يتزوج فيهم. فكتب إليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن تزوج ببنت الأصبغ، أي فتزوجها رضي اللّه تعالى عنه، و بنى بها عندهم، و قدم بها