السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٥٠ - فتح مكة شرفها اللّه تعالى
رأيت فيما يرى النائم كأن عتاب بن أسيد أتى باب الجنة فأخذ بحلقة الباب فقلقلها قلقالا شديدا حتى فتح له فدخلها فأعز اللّه به الإسلام فنصرته للمسلمين على من يريد ظلمهم» هذا.
و في تاريخ الأزرقي، أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لقد رأيت أسيدا في الجنة و أني أي كيف يدخل أسيد الجنة فعرض له عتاب بن أسيد، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): هذا الذي رأيت، ادعوه لي، فدعى له. فاستعمله يومئذ على مكة، ثم قال: يا عتاب أ تدري على من استعملتك؟ استعملتك على أهل اللّه فاستوص بهم خيرا يقولها ثلاثا».
فإن قيل: كيف يقول (صلى اللّه عليه و سلم) عن أسيد إنه رآه في الجنة ثم يقول عن ولد أسيد إنه الذي رآه في الجنة، قلنا لعل عتابا كان شديد الشبه بأبيه أسيد، فظن (صلى اللّه عليه و سلم) عتابا أباه، فلما رآه عرف أنه عتاب لا أسيد.
و في كلام سبط ابن الجوزي: عتاب بن أسيد استعمله رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على أهل مكة لما خرج إلى حنين و عمره ثماني عشرة سنة. و في كلام غيره ما يفيد أنه (صلى اللّه عليه و سلم) إنما استخلف عتاب بن أسيد و ترك معه معاذ بن جبل بعد عوده من الطائف و عمرته من الجعرانة، إلا أن يقال: لا مخالفة، و مراده باستخلافه إبقاءه على ذلك، و ينبغي أن يكون ما تقدم عن الكشاف من قول أهل مكة له (صلى اللّه عليه و سلم): «لقد استخلفت على أهل اللّه عتاب بن أسيد» إلى آخره بعد إبقائه على استخلافه لما لا يخفى.
و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) رأى في المنام أن أسيدا والد عتاب واليا على مكة مسلما فمات على الكفر، فكانت الرؤيا لولده، كما تقدم مثل ذلك في أبي جهل و ولده عكرمة رضي اللّه تعالى عنه.
و لما ولاه (صلى اللّه عليه و سلم) على مكة جعل له في كل يوم درهما، فكان رضي اللّه تعالى عنه يقول: لا أشبع اللّه بطنا جاع على درهم في كل يوم.
و يروى أنه قام فخطب الناس، فقال: يا أيها الناس أجاع اللّه كبد من جاع على درهم: أي له درهم، فقد رزقني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) درهما في كل يوم، فليست لي حاجة إلى أحد.
و عن جابر رضي اللّه تعالى عنه: «أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) استعمل عتاب بن أسيد على مكة، و فرض له عمالته أربعين أوقية من فضة» و لعل الدرهم كل يوم يحرز القدر المذكور: أي أربعين أوقية في السنة فلا مخالفة.
و في السنن الكبرى للبيهقي: و ولد عتاب هذا عبد الرحمن الذي قطعت يده يوم الجمل و احتملها النسر و ألقاها بمكة، و قيل بالمدينة. كان يقال له يعسوب قريش.