السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٥٢ - غزوة حنين
يهود الحجاز، أي غالبهم، إما قتلا، و إما خروجا عن ذل و صغار، فقال له: لا نخالفنك في أمر تراه، فقيل له: هذا مالك، فقال: يا مالك أما إنك قد أصبحت رئيس قومك، و إن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، ما لي أسمع رغاء البعير و نهاق الحمير، و بكاء الصغير، و يعار الشاء، و خوار البقر؟ قال: سقت مع الناس أبناءهم و نساءهم و أموالهم، قال: و لم؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله و ماله ليقاتل عنهم، فانقض به. قال أبو ذر: أي زجره كما تزجر الدابة، و هو أن يلصق اللسان بالحنك الأعلى و يصوت به، و هو معنى قول الأصل: أي صوّت بلسانه في فيه، ثم قال له: راعي. و في لفظ: رويعي ضأن، و اللّه ما له و للحرب، ثم أشار عليه برد الذرية و الأموال و قال: هل يردّ المنهزم شيء؟ إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه و رمحه، و إن كانت عليك فضحت في أهلك و مالك، ثم قال: ما فعلت كعب و كلب؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحد، قال: غاب الحد و الجد، الأول بفتح الحاء المهملة و الثاني بالمعجمة مكسورة ضد الهزل، و بفتحها الحظ، لو كان يوم علا و رفعة ما غابا، ثم أشار عليه بأمور لم يقبلها مالك منه و قال: و اللّه لا أطيعك، إنك قد كبرت و ضعف رأيك، فقال دريد لهوازن: قد شرط يعني مالكا أن لا يخالفني فقد خالفني، فأنا أرجع إلى أهلي فمنعوه، و قال مالك: و اللّه لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، و كره أن يكون لدريد فيها رأي أو ذكر، قالوا: أطعناك: أي ثم جعل النساء فوق الإبل وراء المقاتلة صفوفا، ثم جعلوا الإبل صفوفا و البقر و الغنم وراء ذلك لئلا يفروا. و في لفظ: صفت الخيل ثم الرجالة المقاتلة، ثم صفت النساء على الإبل، ثم صفت الغنم، ثم صفت النعم، ثم قال للناس: إذا رأيتموهم شدوا عليهم شدة رجل واحد، و بعث عيونا له: أي و هم ثلاثة أنفار أرسلهم لينظروا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فأتوا و قد تفرقت أوصالهم قال: ويلكم ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالا بيضا على خيول بلق، فو اللّه ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، و إن أطعتنا رجعنا بقومك، فقال: أف لكم، بل أنتم أجبن العسكر، فلم يرده ذلك، و مضى على ما يريده.
و لما سمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) باجتماعهم أرسل إليهم رجلا من أصحابه، أي و هو عبد اللّه بن أبي حدرد الأسلمي، و أمره أن يدخل فيهم و يسمع منهم ما أجمعوا عليه، فدخل فيهم: أي و مكث فيهم يوما أو يومين و سمع، ثم أتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبره الخبر: أي و جاءه رجل فقال: يا رسول اللّه إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم و نعمهم و شبابهم، اجتمعوا إلى حنين، فتبسم (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء اللّه تعالى. فأجمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أمر السير إلى هوازن، و ذكر له (صلى اللّه عليه و سلم) أن عند صفوان بن أمية- و لم يكن أسلم يومئذ