السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٩٠ - غزوة تبوك
إليه، قال: و ذكر بعضهم أن تلك السحابة لم تتجاوز العسكر، و أن رجلا من الأنصار قال لآخر متهم بالنفاق: ويحك قد ترى فقال: إنما مطرنا بنوء كذا و كذا، فأنزل اللّه تعالى: وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ [الواقعة: الآية ٨٢] أي بدل شكر رزقكم أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة:
الآية ٨٢] أي حيث تنسبونه للأنواء. و قيل إنه قال له: ويحك، هل بعد هذا شيء، قال:
سحابة مارّة انتهى.
و في لفظ أنهم لما شكوا إليه (صلى اللّه عليه و سلم) شدة العطش. قال (صلى اللّه عليه و سلم) لعليّ: لو استسقيت لكم فسقيتم قلتم هذا بنوء كذا و كذا. فقالوا: يا نبيّ اللّه ما هذا بحين أنواء فدعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بماء فتوضأ ثم قام فصلى، فدعا اللّه تعالى، فهاجت ريح و ثار سحاب فمطروا حتى سال كل واد، فمرّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) برجل يغرف بقدحه، و يقول: هذا نوء فلان فنزلت الآية.
و ضلت ناقته (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال رجل من المنافقين الذين خرجوا معه (صلى اللّه عليه و سلم) ليس غرضهم إلا الغنيمة: إن محمدا يزعم أنه نبي، و أنه يخبركم بخبر السماء و هو لا يدري أين ناقته؟ فقال (صلى اللّه عليه و سلم): إن رجلا يقول كذا و كذا، و إني و اللّه لا أعلم إلا ما علمني اللّه، و قد دلني اللّه عليها أنها في شعب كذا و كذا، و قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها، فذهبوا فوجدوها كذلك، فجاؤوا بها، أي و تقدم له (صلى اللّه عليه و سلم) نظير هذا في غزوة بني المصطلق التي هي المريسيع، و لا بعد في تعدد الواقعة. و يحتمل أن يكون من خلط بعض الرواة.
و لما سمع بذلك بعض الصحابة جاء إلى رحله، فقال لمن به: و اللّه لعجب في شيء حدثناه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن مقالة قائل أخبره اللّه عنه و ذكر المقالة. فقال له بعض من في رحله: هذه المقالة قالها فلان يعني شخصا في رحله أيضا قالها قبل أن تأتي بيسير، فقال: يا عباد اللّه في رحلي داهية و ما أشعر: أي عدوّ اللّه اخرج من رحلي و لا تصحبني فيقال: إنه تاب، و يقال إنه لم يزل منها بشرّ حتى هلك.
و تباطأ جمل أبي ذرّ رضي اللّه عنه لما به من الإعياء و التعب، فتخلف عن الجيش فأخذ متاعه و حمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ماشيا فأدركه نازلا في بعض المنازل، أي و قبل مجيئه قالوا له: يا رسول اللّه تخلف أبو ذرّ و أبطأ به بعيره.
فقال (صلى اللّه عليه و سلم): دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه اللّه بكم، و إن يك غير ذلك فقد أراحكم اللّه منه.
و لما أشرف على ذلك المنزل و نظره شخص يمشي، فقال: يا رسول اللّه إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): كن أبا ذرّ، فلما تأمله القوم، قالوا: يا رسول اللّه هو و اللّه أبو ذرّ، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «رحم اللّه أبا ذرّ،