السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٨٢ - غزوة خيبر
من السم، إخفاء ذلك النطق عن الحاضرين إبداء و إظهار له (صلى اللّه عليه و سلم)، و بسبب ما تحلى به (صلى اللّه عليه و سلم) من كمال الحلم و العفو لم يقاصص تلك المرأة بجرحها، أي بجرح سمها، لأن السم يجرح الباطن كما يجرح الحديد الظاهر.
فلما مات بشر رضي اللّه تعالى عنه أمر بها فقتلت، أي و قيل و صلبت كما في أبي داود و عبارة السهيلي (رحمه اللّه): و قد روى أبو داود أنه قتلها، و وقع في كتاب «شرف المصطفى» أنه قتلها و صلبها هذا كلامه. و قيل إنما تركها لأنها أسلمت، فالعفو عنها: أي عدم مؤاخذتها كان قبل أن يموت بشر رضي اللّه تعالى عنه، فلما مات بشر دفعها (صلى اللّه عليه و سلم) إلى أولياء بشر فقتلوها.
و في الإمتاع: و اختلفت الآثار في قتلها، ففي صحيح مسلم أنه لم يقتلها، و قال ابن إسحاق أجمع أهل الحديث على أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قتلها، و قد علمت أنه لا مخالفة، لكن قتلها مشكل على ما عليه أئمتنا معاشر الشافعية من أن من ضيف بمسموم يقتل غالبا مميزا فمات كان شبه عمد لا قود فيه.
و في كلام بعضهم أنها قالت: قد استبان لي الآن أنك صادق، و أني أشهدك و من حضر أني على دينك، و أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا عبده و رسوله، فانصرف عنها حين أسلمت، كذا في جامع معمر عن الزهري أنها أسلمت، قال معمر: هكذا قال الزهري إنها أسلمت و الناس يقولون قتلها و إنها لم تسلم، و أمر (صلى اللّه عليه و سلم) بتلك الشاة فأحرقت.
و في رواية أنه بعد سؤال اليهودية و اعترافها بسط (صلى اللّه عليه و سلم) يده إلى الشاة، و قال لأصحابه: كلوا باسم اللّه، فأكلوا و قد سموا اللّه فلم يضر ذلك أحدا منهم، قال ابن كثير: و فيه نكارة و غرابة شديدة، هذا كلامه.
و يذكر «أن أخت بشر بن البراء دخلت عليه (صلى اللّه عليه و سلم) في مرضه الذي مات فيه، فقال لها: هذا أوان انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر» و الأبهر: العرق المتعلق بالقلب.
و قد قسم (صلى اللّه عليه و سلم) غنائم خيبر؛ فأعطى الراجل سهما، و الفارس ثلاثة أسهم بعد أن خمسها خمسة أجزاء؛ و من جملة من أعطاه (صلى اللّه عليه و سلم) أبو سبيعة بن المطلب بن عبد مناف و اسمه علقمة، و لم يقسم (صلى اللّه عليه و سلم) لمن غاب من أهل الحديبية إلا لجابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنهما. و رضخ (صلى اللّه عليه و سلم) للنساء، أي و كن عشرين امرأة، فيهن صفية عمته (صلى اللّه عليه و سلم) و أم سليم و أم عطية الأنصارية.
و عن بعضهم قالت «أتيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في نسوة، فقلت: يا رسول اللّه قد أردنا الخروج معك نعين المسلمين ما استطعنا، فقال: على بركة اللّه، قالت فخرجنا