السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٨٣ - غزوة خيبر
معه، فلما افتتح خيبر رضخ لنا و أخذ هذه القلادة و وضعها في عنقي، فو اللّه لا تفارقني أبدا، و أوصت أنها تدفن معها». زاد في السيرة الهشامية «أنها قالت: و كنت جارية حديثة السن، فأردفني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على حقيبة رحله، قالت: فلما كان الصبح و أناخ راحلته و نزلت عن حقيبة رحله، و إذا بها دم مني و كانت أول حيضة حضتها.
قالت: فتقبضت إلى الناقة و استحييت، فلما رأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حالي قال: ما لك؟
لعلك نفست، قالت: قلت نعم، قال: فأصلحي من نفسك، ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحا ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمرتحلك» قالت:
فكنت لا أطهر من حيضة إلا جعلت في طهري ملحا، و أوصت أن يجعل ذلك في غسلها حين ماتت.
ثم دفع (صلى اللّه عليه و سلم) لأهل خيبر الأرض لما قالوا له (صلى اللّه عليه و سلم): نحن أعلم بها منكم، و أعمرها بشرط ما يخرج منها من تمر أو زرع، و قال لهم: على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم. أي و هذا يخاف ما عليه أئمتنا من أنه لا يجوز في عقد الجزية أن يقول الإمام أو نائبه: أقركم ما شئنا، بخلاف ما شئتم، لأنه تصريح بمقتضى العقد، لأن لهم نبذ العقد شاءوا. و ذكر أئمتنا أنه يجوز منه (صلى اللّه عليه و سلم) لا منا أن يقول:
أقررتكم ما شاء اللّه لأنه يعلم مشيئة اللّه دوننا، و الشطر في هذا ظاهر في النصف، و لم أقف على تعيينه في رواية.
و كان (صلى اللّه عليه و سلم) يرسل إلى أهل خيبر عبد اللّه بن رواحة رضي اللّه عنه خارصا. قيل و إنما خرص عليهم عبد اللّه عاما واحدا؛ ثم مات، و هذا يخالفه قول بعضهم: كان عبد اللّه بن رواحة رضي اللّه تعالى عنه يأتيهم كل عام يخرصها يعني الثمار عليهم ثم يضمنهم الشطر، فشكوا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) شدّة خرصه، و أرادوا أن يرشوه، فقال:
يا أعداء اللّه تطعموني السحت، و اللّه لقد جئتم من عند أحب الناس إليّ، و لأنتم أبغض إليّ من القردة و الخنازير، و لا يحملني بغضي إياكم و حبي إياه على أن لا أعدل، فقالوا: بهذا قامت السموات و الأرض، و كان يخرص عليهم بعده جبار بن صخر، و كان خارصا لأهل المدينة.
أقول: أي ساقاهم على النخل، و زارعهم على الأرض، هكذا استدل بذلك أئمتنا على ما ذكر: أي على جواز المساقاة، و جواز المزارعة تبعا لها، و يكون ذلك مخصصا للنهي عن المزارعة: أي ما لم تكن تبعا للمساقاة، و هو لا يتم إلا إن كانت أرض خيبر جميعها بين النخل بحيث يعسر سقيها بدون النخل، و أنه (صلى اللّه عليه و سلم) دفع لهم بذرا لأن في المزارعة يجب أن يكون البذر من المالك لا من العامل.
و لم أقف في شيء من الطرق على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) دفع لهم بذرا، بل ظاهر الروايات يدل على أن البذر معهم، و صرحت به رواية مسلم.