السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٦ - غزوة خيبر
و هو يخالف ما سبق أن عند قدومه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة جاءت به أمه و قالت: هذا ابني، و هو غلام كيس، و كان عمره عشر سنين، و قيل تسع سنين، و قيل ثمان سنين.
ففي مسلم عن أنس قال «جاءت بي أمي أم أنس إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قد أزرتني بنصف خمارها و ردتني بنصفه، فقالت: يا رسول اللّه هذا أنيس ابني أتيتك به ليخدمك فادع اللّه له فقال: اللهم أكثر ماله و ولده».
و قد يقال: لا مخالفة، لأنه يجوز أن يكون (صلى اللّه عليه و سلم) إنما قال لأبي طلحة ما ذكر رجاء أن يأتي له بمن هو أقوى من أنس على السفر شفقة على أنس، و من ثم لم يخرجه (صلى اللّه عليه و سلم) معه.
و فيه أنه خرج معه في بدر، فقد جاء «أنه قيل لأنس رضي اللّه عنه: أشهدت بدرا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: لا أم لك، و أين غبت عن بدر؟».
و قد يقال: جاز أن يكون عرض لأنس رضي اللّه عنه حين خروجه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى خيبر ما يقتضي الشفقة عليه في عدم إخراجه معه و اللّه أعلم.
و استخلف (صلى اللّه عليه و سلم) على المدينة نميلة، و قيل سباع بن عرفطة، أي و صحح و كان اللّه وعده و هو بالحديبية: أي عند منصرفه منها في سورة الفتح بمغانم بقوله تعالى وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها [الفتح: الآية ٢٠] أي مغانم خيبر، و خرج معه (صلى اللّه عليه و سلم) من نسائه أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها، و قال (صلى اللّه عليه و سلم) في سيرة لعامر بن الأكوع عم سلمة بن الأكوع رضي اللّه تعالى عنهما: انزل فحدثنا من هناتك، و في رواية: من هنيهاتك، و في لفظ: من هنياتك بقلب الهاء الثانية ياء، أي من أراجيزك و أشعارك. و في لفظ: انزل فحرك بنا الركاب، فقال: يا رسول اللّه قد تولى قولي: أي الشعر، فقال له عمر رضي اللّه عنه: اسمع و أطع، فنزل يرتجز بقوله رضي اللّه تعالى عنه:
و اللّه لو لا اللّه ما اهتدينا* * * و لا تصدقنا و لا صلينا
الأبيات.
و في مسلم «اللهم لو لا أنت ما اهتدينا» قيل و صوابه في الوزن لا هم، أو يا اللّه، أو و اللّه لكن في تلك الأبيات فاغفر فداء لك ما اقتفينا: أي فاغفر ما اكتسبنا، و أصل الاقتفاء الاتباع.
و في خطاب الباري عز و جل بفداء لك ما لا ينبغي لأنه لا يقال للباري عز و جل فديتك لأن ذلك إنما يستعمل في مكروه متوقع حلوله بالمفدي بالفتح، فيجعل المفدي بالكسر نفسه فداء له من ذلك، فيبذل نفسه عن نفسه.
و أجيب عن ذلك بأن الشاعر لم يرد ذلك، بل أراد أن يبذل نفسه في رضاه سبحانه و تعالى.