السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٦٦ - حجة الوداع
اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد جاء اللّه بزاملتنا. فارجعا بزاملتكما. بارك اللّه لكما اه ثم نزل (صلى اللّه عليه و سلم) بذي طوى فبات بها تلك الليلة و صلى بها الصبح أي بعد أن اغتسل بها. أي ثم سار (صلى اللّه عليه و سلم) و نزل بالمسلمين ظاهر مكة و دخل مكة نهارا: أي وقت الضحى من الثنية العليا التي هي ثنية كداء بفتح الكاف و المد. قال أبو عبيدة: لا ينصرف، و هي التي ينزل منها إلى المعلاة مقبرة مكة، و هي التي يقال لها الآن الحجون التي دخل منها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم فتح مكة كما تقدم، و دخل المسجد الحرام صبحا من باب عبد مناف، و هو باب بني شيبة المعروف الآن بباب السلام. و كان (صلى اللّه عليه و سلم) إذا أبصر البيت. قال: اللهم زد هذا البيت تشريفا و تعظيما و مهابة و برا، و زد من شرفه و كرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفا و تكريما و تعظيما و برا.
و في مسند إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه: أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «كان إذا رأى البيت رفع يديه و قال: اللهم زد هذا البيت» الخ.
و في رواية: «كان (صلى اللّه عليه و سلم) إذا دخل مكة فرأى البيت رفع يديه و كبر و قال: اللهم أنت السلام، و منك السلام، فحينا ربنا بالسلام. اللهم زد هذا البيت» الخ.
و عند دخوله (صلى اللّه عليه و سلم) المسجد طاف بالبيت: أي سبعا ماشيا، فعن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنهما قال: «دخلنا مكة عند ارتفاع الشمس، فأتى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) باب المسجد فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد فبدأ بالحجر الأسود فاستلمه، و فاضت عيناه بالبكاء، ثم رمل ثلاثا و مشى أربعا، فلما فرغ (صلى اللّه عليه و سلم) قبل الحجر و وضع يديه عليه و مسح بهما وجهه» رواه البيهقي في السنن الكبرى بإسناد جيد.
و قيل طاف (صلى اللّه عليه و سلم) على راحلته الجدعاء، أي لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) قدم مكة و هو يشتكي، فعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما «أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قدم مكة و هو يشتكي فطاف على راحلته، فلما أتى الركن استلمه بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين» رواه أبو داود، ورد بأن هذا الحديث تفرد به يزيد بن أبي زياد و هو ضعيف.
على أن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما لم يذكر أن ذلك كان في حجة الوداع و لا في الطواف الأول من طوافاتها الثلاثة التي هي: طواف القدوم، و طواف الإفاضة، و طواف الوداع، فينبغي أن يكون ذلك في غير الطواف الأول، بأن يكون في طواف الإفاضة أو طواف الوداع، فلا ينافي ما تقدم عن جابر و لا ما في مسلم عنه أنه قال: «طاف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في حجة الوداع على راحلته بالبيت ليراه الناس فيسألوه» و قوله: «و رمل في ثلاث» منها: أي يسرع المشي مع تقارب الخطأ، و مشى: أي على هينته في أربع يستلم الركن اليماني و الحجر الأسود في كل طوفة، و ابتداء الرمل كان في عمره القضاء لما قال المشركون: غدا يقدم عليكم قوم قد و هنتهم حمى يثرب، فأمرهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك ليرى المشركون جلدهم» و من ثم