السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٨ - غزوة الحديبية
و في الاستيعاب: يقولون إنها مشت على قدميها من مكة إلى المدينة و لا يعرف لها اسم إلا هذه الكنية، و هي أخت عثمان بن عفان رضي اللّه عنه لأمه.
و لما قدمت المدينة دخلت أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها و أعلمتها أنها جاءت مهاجرة و تخوّفت أن يردها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما دخل (صلى اللّه عليه و سلم) على أم سلمة أعلمته بها، فرحب بأم كلثوم رضي اللّه تعالى عنها، فخرج أخواها عمارة و الوليد في ردها بالعهد، فقالا: يا محمد أوف لنا بما عاهدتنا عليه. فلم يفعل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك، أي بعد أن قالت له: يا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنا امرأة و حال النساء إلى الضعف، فتردني إلى الكفار يفتنوني عن ديني و لا صبر لي، فنزل القرآن بنقض ذلك العهد بالنسبة للنساء لمن جاء منهم مؤمنا لكن بشرط امتحانهن بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ [الممتحنة: الآية ١٠] أي في مدة هذا العهد و الصلح مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَ [الممتحنة: الآية ١٠] قال السهيلي (رحمه اللّه): و كان الامتحان أن تستحلف المرأة المهاجرة أنها ما هاجرت ناشزة، و لا هاجرت إلا للّه و لرسوله، و في لفظ: كانت المرأة إذا جاءت للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) حلفها عمر رضي اللّه عنه باللّه ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، و باللّه ما خرجت من بغض زوج، و باللّه ما خرجت لالتماس دنيا و لا لرجل من المسلمين، و باللّه ما خرجت إلا حبا للّه و رسوله، فإذا حلفت لم ترد ورد صداقها إلى بعلها.
أي و لما قدم الوليد و عمارة مكة أخبرا قريشا بذلك، فرضوا أن تحبس النساء، و لم يكن لأم كلثوم رضي اللّه عنها زوج بمكة، فلما قدمت المدينة زوّجها زيد بن حارثة.
و في رواية: لما كان (صلى اللّه عليه و سلم) بالحديبية جاءته جماعة من النساء المؤمنات مهاجرات من مكة، من جملتهنّ سبيعة بنت الحارث، فأقبل زوجها و هو مسافر المخزومي طالبا لها، و أراد، مشركو مكة أن يردّوهن إلى مكة، فنزل جبريل (عليه السلام) بهذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَ [الممتحنة: الآية ١٠] فاستحلف (صلى اللّه عليه و سلم) و سبيعة فحلفت، فأعطى (صلى اللّه عليه و سلم) زوجها مسافرا ما أنفق عليها، فتزوّجها عمر رضي اللّه عنه. و هذا السياق يدل على أن الآية الكريمة نزلت بالحديبية، و ما قبله يدل على أنها نزلت بالمدينة. و قد يقال: لا مانع من تكرر نزول الآية.
و أما في غير مدة هذا العهد، أي بعد نسخة بفتح مكة فلم تستحلف امرأة جاءت إلى المدينة و لا يرد صداقها إلى بعلها، و من ثم ذهب أئمتنا إلى أنه إذا شرط رد المسلمة إليهم فسدت الهدنة كما تقدم، و لا يجب دفع المهر للزوج لو جاءت مسلمة، و قوله تعالى وَ آتُوهُمْ [النّور: الآية ٣٣] أي الأزواج ما أَنْفَقُوا [البقرة: الآية ٢٦٢] أي من المهور محمول على الندب، و الصارف له عن الوجوب كون الأصل براءة الذمة، لأن البضع ليس بمال للكافر.