السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٠ - غزوة الحديبية
يفتن بي، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): اذهب حيث شئت، فقال: يا رسول اللّه هذا سلب العامري: أي الذي قتلته رحله و سيفه فخمسه، فقال له (صلى اللّه عليه و سلم): إذا خمسته رأوني لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه، و لكن شأنك بسلب صاحبك، و من ثم قال فقهاؤنا:
يجوز رد المسلم إلى الطالب له من غير عشيرته إذا قدر على قهر الطالب و الهرب منه.
و عند ذلك ذهب أبو بصير رضي اللّه عنه إلى محل من طريق الشام تمر به عيرات قريش؛ و اجتمع إليه جمع من المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة؛ أي إنهم لما بلغهم خبره رضي اللّه عنه؛ أي و أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال في حقه: ويل أمه مسعر حرب؛ أي لو كان معه رجال صاروا يتسللون إليه و انفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو رضي اللّه عنهما الذي رده يوم الحديبية و خرج من مكة في سبعين فارسا أسلموا فلحقوا بأبي بصير و كرهوا أن يقدموا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في تلك المدة التي هي زمن الهدنة أي خوف أن يردهم إلى أهليهم، و انضم إليهم ناس من غفار و أسلم و جهينة و طوائف من العرب ممن أسلم حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل، فقطعوا مادة قريش لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، و لا تمر بهم عير إلا أخذوها، حتى كتبت قريش له (صلى اللّه عليه و سلم) تسأله بالأرحام إلا آواهم و لا حاجة لهم بهم.
و في رواية أن قريشا أرسلت أبا سفيان بن حرب رضي اللّه عنه في ذلك و أن قريشا قالوا إنا أسقطنا هذا الشرط من الشروط، من جاء منهم إليك فأمسكه في غير حرج، أي و في لفظ: من أتاه فهو آمن، فإنا أسقطنا هذا الشرط، فإن هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح إقراره، فكتب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى أبي جندل و إلى أبي بصير رضي اللّه عنهما أن يقدما عليه و أن من معهما من المسلمين يلحقوا ببلادهم و أهليهم، و لا يتعرضوا لأحد مرّ بهم من قريش و لا لعيراتهم، فقدم كتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عليهما و أبو بصير رضي اللّه عنه يموت، فمات و كتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في يده يقرؤه، فدفنه أبو جندل رضي اللّه عنه مكانه، و جعل عند قبره مسجدا.
و قدم أبو جندل رضي اللّه عنه على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مع ناس من أصحابه، و رجع باقيهم إلى أهليهم. و أمنت قريش على عيراتهم و علمت أصحابه (صلى اللّه عليه و سلم) و رضي عنهم الذين عسر عليهم رد أبي جندل إلى قريش مع أبيه سهيل بن عمرو أن طاعة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خير مما أحبوه و أن رأيه (صلى اللّه عليه و سلم) أفضل من رأيهم، و علموا بعد ذلك أن مصالحته (صلى اللّه عليه و سلم) كانت أولى، لأنها كانت سببا لكثرة المسلمين، فإن الكفار لما أمنوا القتال اختلطوا بالمسلمين فأثر فيهم الإسلام، فأسلم كثير منهم.
و قد ذكر بعض المفسرين أن الذين أسلموا في سنتي الفتح بناء على أن المدة كانت سنتين أو المعنى سنتين من الصلح: أي من مدته يعدلون الذين أسلموا قبلهما.