السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٢ - غزوة الحديبية
فإلى الأول شرع التيمم خوفا من استعمال الماء. و إلى الثاني شرع الفطر في رمضان في السفر لئلا تتوالى مشقة السفر و مشقة الصوم. و إلى الثالث بحلق رأس المحرم إذا كان به أذى من قمل ليستفرغ المادة الفاسدة و الأبخرة الرديئة.
و عند أئمتنا لا بد أن يكون ما يذبحه مجزئا في الأضحية و بعد الحديبية قبل خيبر، و قيل بعد خيبر نزلت آية الظهار قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها [المجادلة: الآية ١].
و سبب ذلك: أن أوس بن الصامت لا عبادة بن الصامت كما قيل أي و كان شيخا كبيرا قد ساء خلقه، و في لفظ: كان به لمم: أي نوع من الجنون. و كان فاقد البصر، قال لزوجته خولة بنت ثعلبة، و في لفظ: بنت خويلد، و كانت بنت عمه و قد راجعته في شيء فغضب، فقال لها: أنت عليّ كظهر أمي، و كان ذلك في زمن الجاهلية طلاقا: أي كالطلاق في تحريم النساء ثم راودها عن نفسها، فقالت كلا لا تصل إليّ و قد قلت ما قلت حتى أسأل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). و في لفظ: أنه لما قال لها أنت عليّ كظهر أمي أسقط في يده، و قال ما أراك إلا قد حرمت عليّ، انطلقي إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فاسأليه، فدخلت عليه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو يمشط رأسه الشريف، أي عنده ماشطة، أي و هي عائشة رضي اللّه عنها تمشط رأسه.
و في لفظ كان الظهار أشد الطلاق و أحرم الحرام إذا ظاهر الرجل من امرأته لم ترجع إليه أبدا، فأخبرته، فقال لها (صلى اللّه عليه و سلم): ما أمرنا بشيء من أمرك ما أراك إلا قد حرمت عليه، فقالت: يا رسول اللّه و الذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر الطلاق و إنه أبو ولدي، و أحب الناس إليّ، فقال: حرمت عليه، فقالت أشكو إلى اللّه فاقتي و تركي إلى غير أحد و قد كبر سني و دق عظمي.
و في لفظ أنها قالت: اللهم إني أشكو إليك شدّة وحدتي و ما شق عليّ من فراقه و ما نزل بي و بصبيتي، قالت عائشة رضي اللّه عنها: فلقد بكيت و بكى من كان في البيت رحمة لها ورقة عليها. و في لفظ قالت: يا رسول اللّه إن زوجي أوس بن الصامت تزوّجني و أنا ذات مال و أهل، فلما أكل مالي و ذهب شبابي و نفضت بطني و تفرق أهلي ظاهر مني، فقال لها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): ما أراك إلا قد حرمت عليه فبكت و صاحت و قالت: أشكو إلى اللّه فقري و وحدتي و صبية صغارا أن ضممتهم إليه ضاعوا، و إن ضممتهم إليّ جاعوا، و صارت ترفع رأسها إلى السماء، فبينما هو (صلى اللّه عليه و سلم) قد فرغ من شق رأسه و أخذ في الشق الآخر أنزل اللّه عليه الآية فسرّي عنه و هو يتبسم، فقال (صلى اللّه عليه و سلم) لها مريه فليحرر رقبة، فقالت: و اللّه ما له خادم غيري، قال مريه فليصم شهرين متتابعين، فقالت: و اللّه إنه لشيخ كبير إنه إن لم يأكل في اليوم مرتين يندر بصره: أي لو كان مبصرا، فلا ينافي ما تقدم أنه كان فاقد البصر، قال: فليطعم