السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٦١ - غزوة خيبر
و انتهى المسلمون إلى حصار الوطيح بالحاء المهملة، مأخوذ من الوطح: و هو في الأصل ما تعلق بمخالب الطير من الطين؛ سمي الوطيح باسم الوطيح بن مازن؛ رجل من ثمود. و حصن سلالم و يقال له السلاليم: و هو حصن بني الحقيق، آخر حصون خيبر.
و مكثوا على حصارهما أربعة عشر يوما فلم يخرج أحد منهما، فهمّ (صلى اللّه عليه و سلم) أن يجعل عليهم: أي على من فيهما المنجنيق: أي ينصبه عليهم و لم يرم به، فلما أيقنوا بالهلكة سألوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الصلح على حقن دماء المقاتلة و ترك الذرية لهم و يخرجون من خيبر و أرضها بذراريهم، و أن لا يصحب واحدا منهم إلا ثوب واحد على ظهره. و في لفظ: تركوا ما لهم من مال و أرض من الصفراء و البيضاء و الكراع و الحلقة و البز إلا ثوبا واحدا، فصالحهم على ذلك، و على أن ذمة اللّه و رسوله بريئة منهم أن يكتموه شيئا من متاعهم يسألهم عنه.
فعلم أن حصون خيبر فتحت عنوة إلا الحصنين المذكورين: و هما الوطيح و سلالم، فإنهما لم يفتحا عنوة بل صالحا، فكانا فيئا لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و هو دليل على أنهم لم يقاتلوا في حال حصارهم، لأن الفيء ما جلوا عنه من غير مقاتلة، كذا قيل.
و ظاهر إطلاق قول الروضة من الفيء ما صولح عليه أهل بلد من الكفار أنه و إن كان بعد محاصرتهم و مقاتلتهم للمسلمين في حال حصارهم برمي الحجارة أو النبل.
و في فتح الباري نقلا عن ابن عبد البرّ أنه جزم بأن حصون خيبر فتحت عنوة، و إنما دخلت الشبهة على من قال فتحت صالحا بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما لحقن دمائهم، و هو ضرب من الصلح؛ لكن لم يقع ذلك إلا بحصار و قتال هذا كلامه فليتأمل، فإن بالقتال يخرج عن كونه فيئا، و لعل المراد قتال بالنبل و رمي بالحجارة و إلا فقد تقدم أنه لم يخرج منهما أحد للمقاتلة فليتأمل، فإن كلامه يقتضي أن بالحصار و بالقتال بنحو النبل يخرج ذلك عن كونه فيئا له (صلى اللّه عليه و سلم) و يكون غنيمة، و لعله مذهب المالكية الذي هو مذهب ابن عبد البر (رحمه اللّه تعالى).
و في الأصل عن ابن شهاب (رحمه اللّه) أنه قال: بلغني أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) افتتح خيبر عنوة بعد القتال، و نزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال هذا كلامه.
فظاهره أن القتال وقع من الذين جلوا في حال حصارهم، و إلا فقد علمت أن الذين جلوا لم يخرج أحد منهم للقتال في حال حصارهم، و سيأتي ما يصرح بأن ما جلوا عنه فيء لا غنيمة.
و وجدوا في الحصنين المذكورين: مائة درع، و أربعمائة سيف، و ألف رمح،