السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٣٢ - باب يذكر فيه ما يتعلق بالوفود التي وفدت عليه
تكلمكم، و سألوه (صلى اللّه عليه و سلم) عن فرائض اللّه فأخبرهم بها (صلى اللّه عليه و سلم)، و أمرهم بالوفاء بالعهد، و أداء الأمانة، و حسن الجوار لمن جاوروا، و أن لا يظلموا أحدا، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، ثم ودعوه (صلى اللّه عليه و سلم) بعد أيام و أجازهم: أي أعطى كل واحد اثنتي عشرة أوقية و نشا، و رجعوا إلى قومهم فلم يحلوا عقدة حتى هدموا عم أنس.
و منها وفد بني محارب. وفد على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عشرة من بني محارب و فيهم خزيمة بن سواد، و كانوا أغلظ العرب و أشدهم على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أيام عرضه نفسه على القبائل في المواسم يدعوهم إلى اللّه تعالى، فجلسوا عنده يوما من الظهر إلى العصر، و أدام (صلى اللّه عليه و سلم) النظر إلى رجل منهم، و قال له: قد رأيتك، فقال له ذلك الرجل:
إي و اللّه لقد رأيتني، و كلمتك بأقبح الكلام، و رددتك بأقبح الرد بعكاظ و أنت تطوف على الناس. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): نعم، ثم قال: يا رسول اللّه ما كان في أصحابي أشد عليك يومئذ و لا أبعد عن الإسلام مني، فأحمد اللّه الذي جاء بي حتى صدقت بك، و لقد مات أولئك النفر الذين كانوا معي على دينهم، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إن هذه القلوب بيد اللّه عز و جل. فقال: يا رسول اللّه استغفر لي من مراجعتي إياك، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إن هذا الإسلام يجب ما قبله: يعني الكفر، أي مسح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) وجه خزيمة بن سواد فصارت له غرة بيضاء، و أجازهم كما يجيز الوفود، ثم انصرفوا إلى أهليهم.
و منها وفد صداء: حيّ من عرب اليمن. وفد على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خمسة عشر رجلا من صداء.
و سبب ذلك أنه (صلى اللّه عليه و سلم) هيأ بعثا أربعمائة من المسلمين استعمل عليهم قيس بن سعد بن عبادة رضي اللّه تعالى عنهم، و دفع له لواء أبيض، و دفع إليه راية سوداء، و أمره أن يطأ ناحية من اليمن كان فيها صداء، فقدم على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) رجل منهم، و علم بالجيش، فأتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: يا رسول اللّه جئتك وافدا على من ورائي، فاردد الجيش، و أنا لك بقومي، فرد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قيس بن سعد رضي اللّه تعالى عنهما و خرج الصدائي إلى قومه، فقدم على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بأولئك القوم، فقال سعد بن عبادة: يا رسول اللّه دعهم ينزلون عليّ، فنزلوا عليه فحباهم بالموحدة:
أعطاهم و أكرمهم و كساهم، ثم ذهب بهم إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم): فبايعوه على الإسلام، و قالوا له: نحن لك على من وراءنا من قومنا فرجعوا إلى قومهم ففشا فيهم الإسلام، فوافى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) منهم مائة رجل في حجة الوداع، و سمي ذلك الرجل الذي كان سببا في رد الجيش و مجيء الوفد بزياد بن الحارث الصدائي، أي و ذكر زياد أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال له: يا أخا صداء إنك لمطاع في قومك، قال: فقلت بلى من منّ اللّه عز و جل و منّ رسوله. قال و في رواية: بل اللّه هداهم للإسلام، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أ فلا