السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٩١ - باب يذكر فيه مدة مرضه، و ما وقع فيه، و وفاته
إنكن صواحب يوسف عليه الصلاة و السلام». و في لفظ: «إنكن لأنتن صواحب يوسف عليه الصلاة و السلام» فقالت حفصة رضي اللّه تعالى عنها لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرا و مروا أبا بكر فليصل بالناس»: أي مثل صاحبة يوسف عليه الصلاة و السلام و هي زليخا أظهرت خلاف ما تبطن، و ظهرت للنساء اللاتي جمعتهن أنها تريد إكرامهن بالضيافة، و إنما قصدها أن ينظرن لحسن يوسف عليه الصلاة و السلام فيعذرنها في حبه و النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فهم عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها تظهر كراهة ذلك مع محبتها له باطنا هكذا يقتضيه ظاهر اللفظ.
و المنقول عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها إنما قصدت بذلك خوف أن يتشاءم الناس أبا بكر فيكرهونه حيث قام مقامه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقد جاء عنها رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت: ما حملني على كثرة مراجعتي له (صلى اللّه عليه و سلم) إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا، و لا كنت أرى أنه يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس منه.
و في رواية: «إن الأنصار رضي اللّه تعالى عنهم لما رأوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يزداد وجعا طافوا بالمسجد و أشفقوا من موته (صلى اللّه عليه و سلم)، فدخل عليه الفضل رضي اللّه تعالى عنه فأخبره بذلك، ثم دخل عليه علي (كرم اللّه وجهه) فأخبره بذلك، ثم دخل عليه العباس رضي اللّه تعالى عنه فأخبره بذلك، فخرج النبي (صلى اللّه عليه و سلم) متوكئا على علي و الفضل و العباس أمامه، و النبي (صلى اللّه عليه و سلم) معصوب الرأس يخط برجليه حتى جلس على أسفل مرقاة من المنبر و ثار الناس إليه، فحمد اللّه و أثنى عليه و قال: أيها الناس بلغني أنكم تخافون من موت نبيكم، هل خلد نبي قبلي فيمن بعث إليه فأخلد فيكم؟ ألا و إني لاحق بربي و إنكم لاحقون به، فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرا، و أوصى المهاجرين فيما بينهم بخير، فإن اللّه يقول: وَ الْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) [العصر: الآية ١، ٢] السورة و إن الأمور تجري بإذن اللّه، و لا يحملكم استبطاء أمر على استعجاله، فإن اللّه عز و جل لا يعجل لعجلة أحد، و من غالب اللّه غلبه، و من خادع اللّه خدعه فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) [محمد:
الآية ٢٢] و أوصيكم بالأنصار خيرا، فإنهم الذين تبؤوا الدار و الإيمان من قبلكم أن تحسنوا إليهم، أ لم يشاطروكم في الثمار؟ أ لم يوسعوا لكم في الديار، أ لم يؤثروكم على أنفسكم و بهم الخصاصة؟ ألا فمن ولي أن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم، و ليتجاوز عن مسيئهم، ألا و لا تستأثروا عليهم، ألا فإني فرطكم و أنتم لاحقوني بي، ألا و إن موعدكم الحوض، ألا فمن أحب أن يرده عليّ غدا فليكفف يده و لسانه إلا فيما ينبغي: أيها الناس إن الذنوب تغير النعم، فإذا بر الناس برتهم أئمتهم، و إذا فجر الناس عقوا أئمتهم» و في الحديث: «حياتي خير لكم، و مماتي خير لكم».